لماذا وكيف يجب على المؤسسات احترام حقوق الإنسان في تنفيذ عملياتها؟

قبل أكثر من تسعة أعوام، في 16 يونيو 2011، أقر مجلس حقوق الإنسان المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان التي ترتكز على ثلاثة أعمدة أساسية؛ الحماية والاحترام والعلاج القضائي.

عملت هذه المبادئ على بلورة الأسس والمعايير التي ينبغي على الشركات اتباعها لتحقيق احترام للفرد والمجتمعات، حيث يجب أن يشمل التزام الشركات بمعايير حقوق الإنسان عدة إجراءات ابتداءً من بذل العناية الواجبة، مرورًا بالمتابعة ثم الإصلاح، ووصولًا بالالتزام بسياسات حقوق الإنسان وتقديم التقارير العلنية بخصوص مدى التزامها بمعايير حقوق الإنسان في معاملاتها.

لماذا؟

بالرغم من ذلك، يشهد العالم مؤخرًا تراجعًا واضحًا في حالة حقوق الإنسان على كافة المستويات، الدولية والإقليمية والمحلية منها، بما في ذلك على مستوى المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، الربحية وغير الربحية.

يرجع ذلك -في أغلب الحالات- لعدة أسباب، أحدها يتمثل في انسحاب الحكومات من الالتزامات طويلة الأمد التي تضمن الحفاظ على حقوق الإنسان، أو حتى عدم العمل بها (انتهاك قواعدها) دون الانسحاب منها. هذا بدوره يفاقم التحديات التي تواجهها المؤسسات، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن انسحاب الحكومات من التزاماتها الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ستؤدي بشكلٍ أو بآخر إلى تضييق المساحات للمؤسسات، بما في ذلك المجتمع المدني، الذي يشهد اليوم معيقاتٍ أكثر من أي وقتٍ مضى، خاصة في العالم العربي.

في كافة الحالات، لا شك أن إهمال سياسات ومؤسسات حقوق الإنسان لا يعود بالضرر على عمل المؤسسات وحسب، وإنما يمتد ليشمل المجتمعات ككل. لذلك، لا يُحتم الوضع العالمي الراهن والتحديات المتفاقمة الحفاظ على وفاء المؤسسات بالمعايير التي تضمن حقوق الإنسان وحسب، وإنما أيضًا إيجاد طرق لدعم جهود الحكومات في هذا الاتجاه.

وبالنظر في هذا الاتجاه، لا تجب رؤية التزام الشركات بسياسات حقوق الإنسان بأنها تتنافى مع مصالحها أو تؤثر على أنشطتها وعمليتها، بل يضمن لها ذلك تطورًا اقتصاديًا كبيرًا؛ فضمان الالتزام بسياسات حقوق الإنسان على مستوى الدولة والمؤسسات يخدم المؤسسات الربحية وغير الربحية على حدٍّ سواء، من خلال توفير سوق يمتاز بالاستقرار ويسود فيه القانون وتُطبق فيه المعايير الدولية. كما تسهم سياسات حقوق الإنسان في تطوير معايير عالمية تنظم عمل المؤسسات وتوحّد تعاملها مع أمور عالمية جوهرية مثل حقوق العمال، وحقوق الخصوصية، وحرية الرأي والتعبير، وغيرها.

مع ذلك، فقد تعترض بعض المعيقات عمل المؤسسات، الأمر الذي يجعلها تميل نحو إهمال اتباع سياسات خاصة بحقوق الإنسان نظرًا لانشغالها في معالجة مشاكل جوهرية تعترضها، مثل الضرائب أو عدم استقرار السوق العالمي، في الوقت الذي قد تعترضها أحيانًا بعض المعيقات الأخرى، مثل ضعف نفوذ فريق الاستدامة الخاص بالمؤسسة، أو وجود معارضة سياسية لمثل هذه السياسات. لكن، وفي جميع الأحوال، من الضروري أن تتخطى المؤسسة مثل هذه التحديات، الأمر الذي سيحقق لها على المدى الطويل سمعة جيدة في سوق العمل، ويضمن حمايتها وخلق بيئة ملائمة للأعمال، مما يفسح المجال لمزيدٍ من الازدهار.

كيف؟

مع تزايد التحديات التي تواجه كلًا من الحكومات والمؤسسات، الربحية منها وغير الربحية، والتي تحول دون تطبيقها والتزامها بسياسات حقوق الإنسان بسبب إما انشغالها بأمورٍ أكثر إلحاحًا، أو عدم رغبتها في تقييد عملياتها، تأتي الحاجة ملحّة لدمج تلك السياسات في الخطط الاستراتيجية وخطط أعمال المؤسسات، بشكلٍ يضمن اتساق أنشطتها معها ويسمح بتطبيقها في كافة العمليات.

في ظل ما يشهده العالم اليوم من تنصل الحكومات من مسؤوليتها في حماية حقوق الإنسان بل ومشاركتها أحيانًا في انتهاك هذه الحقوق، يأتي دور المؤسسات في سد هذه الثغرة

لأجل ذلك، ينبغي على المؤسسة اتباع استراتيجية محددة عند تضمين قضايا حقوق الإنسان في سياساتها. بدايةً من خلال تحديد مدى صلة أعمالها بتلك السياسات، كأن تبحث على سبيل المثال فيما لو كانت القضية تمس بحقوق موظفيها أو عملائها أم لا. يسمح لها ذلك بتركيز مجهوداتها في القضايا التي تستطيع أن تحدث فيها أكبر تأثير إيجابي ممكن. يساعد في ذلك أيضًا فهم السياق السياسي؛ بمعنى هل سياسة المؤسسة تتعارض مع سياسة الحكومة التي تتعامل معها؟

يلي ذلك ثلاث خطواتٍ أساسيةٍ ينبغي على المؤسسات فعلها:

  1. إجراء عمليات العناية الواجبة في مراعاة حقوق الإنسان، بما في ذلك تطبيق عدسة جنسانية خلال اعمالها وأنشطتها. ويشمل ذلك تحديد الآثار المحتملة والفعلية لحقوق الإنسان في عملياتها وسلاسل التوريد الخاصة بها، واتخاذ الإجراءات المناسبة لتخفيف أو معالجة أي انتهاكات، وتتبع فعالية تلك الإجراءات، وإبلاغ الجمهور بكيفية معالجة هذه الآثار.
  2. العمل كمثال لتطبيق سياسات حقوق الإنسان في أنشطتها لتعزيز أفضل الممارسات بين أقرانها.
  3.  رفع صوتها ودعم الحكومات لدمج تنفيذ مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية الخاصة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان في سياساتها.

في بعض الحالات، قد تتجاهل بعض المؤسسات عدة قضايا وسياسات متعلقة بحقوق الإنسان، ظنًا منها بأنها لا تمس جوهر أعمالها، لكن إيلاء اهتمام في هذه القضايا قد يعود بكثير من النفع عليها، الأمر الذي يُحتم على الأخيرة التمحيص جيدًا في كافة احتمالات الفائدة التي يمكن أن تجنيها من اتباع سياسات مجدية متعلقة بتلك القضايا. ي

لأجل ذلك، على المؤسسات الأخذ بعين الاعتبار الوجه الإيجابي للاهتمام ببعض قضايا حقوق الإنسان -حتى التي لا تتعلق فعليًا بعملها- فهذا يكسبها ثقة العديد من المؤسسات الأخرى مما يزيد فرصها في التعاقد مع مزيدًا من الشركات وتوسيع نطاق عملها.

وفي ظل ما يشهده العالم اليوم من تنصل الحكومات من مسؤوليتها في حماية حقوق الإنسان بل ومشاركتها أحيانًا في انتهاك هذه الحقوق، يأتي دور المؤسسات في سد هذه الثغرة ما دام في استطاعتها فعل ذلك، لأن هذا لا يعد امتثالًا لمعايير حقوق الإنسان وحسب، وإنما يعود بالنفع عليها أيضًا. 

ذات علاقة

فضيحة "انقلاب القرن الاستخباري" تتطلب إجراءات تشريعية أكثر فاعلية لمن...

ممارسات الشركة على مدار عقود تعكس ضعفًا حقيقيًا في الدور الذي تلعبه الأجهزة التشريعية حول العالم في إجبار الشركات الخاصة والعامة على احترام خصوصيات الأفرا...

قهوة بطعم العبودية: ستاربكس ونسبريسو متورطتان في استغلال الأطفال

ستاربكس تلتحق بشركات شوكولاتة شهيرة تتجاهل تتبع سلسلة التوريد بحثا عن المال فقط

نصائح للحكومات في معركتها ضد العدو غير المرئي.. كوفيد-19

على الحكومات التعاون بشكلٍ مستمرٍ وجدي مع الشركات الكبرى والمؤسسات الربحية وغير الربحية لتجاوز أزمة تفشي فيروس كورونا بأقل الخسائر.