الحفاظ على سيادة إسرائيل الإقليمية - دعم الاستبداد على حساب الديمقراطية

الحفاظ على سيادة إسرائيل الإقليمية - دعم الاستبداد على حساب الديمقراطية
(من اليسار إلى اليمين) بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب وخالد بن أحمد آل خليفة وعبدالله بن زايد آل نهيان يقفون على شرفة الغرفة الزرقاء لالتقاط صورة بعد توقيع اتفاقية إبراهيم، واشنطن - 15 سبتمبر 2020 (أ ف ب)

لارا حميدي
باحثة في إمباكت الدولية

مقدمة

بينما تروّج إسرائيل لنفسها على أنها المثال الأعلى للديمقراطية في المنطقة، إلا أنها دعمت استراتيجيًا استمرار الدول المجاورة لها في استبدادهم في سبيل منعهم من إقامة شراكات مع الدول الغربية، ومن خلال ذلك تمكنت إسرائيل من تحسين صورتها وتقديم نفسها على أنها "طوق النجاة" في المنطقة ومحاطة بالدول المارقة والقادة غير العقلانيين الذين يحتاجون إلى التوجيه.

طبّقت إسرائيل العديد من الخطوات في سبيل إنجاح هذا المخطط مثل اتفاقيات التطبيع مع الدول المجاورة لها والاستفادة من الانقسام السياسي في فلسطين بالإضافة إلى إقامة علاقات وثيقة مع القادة الاستبداديين في المنطقة، وجميعها خطوات تتعارض بشكل مباشر مع الديمقراطية المباشرة الصرفة. لقد أصبح من الواضح جدًا أن إسرائيل تبقي جيرانها على المستوى الاستبدادي ومتخلفين خطوة واحدة عنها للاستفادة من افتقار المنطقة إلى الديمقراطية.

وفق "هيومن رايتس ووتش" بدأ سعي إسرائيل لتحقيق الديمقراطية لأول مرة عام 1958 عن طريق الكنيست والهيئة التشريعية الإسرائيلية والسلطة العليا تزامنًا مع نشر القانون الأساسي لترسيخ قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.

قدرة إسرائيل على الحفاظ على قوتها الإقليمية ومواصلة تطبيق نظام الفصل العنصري مرهونة جزئيًا بجيرانها الاستبداديين ومدى تجاهلهم للجرائم السياسية التي تحدث في المنطقة

الانقسام السياسي في فلسطين

إن الانقسام العميق في السياسة الفلسطينية على المستوى المحلي يصنع المعجزات في تصدير صورة إسرائيل على أنها الدولة الأكثر استقرارًا وعقلانية في المنطقة، حيث تسبب الانقسام بين حركتي فتح وحماس بتعميق أزمة الدولة الفلسطينية وظهورها في الإقليم مما صب في مصلحة دولة إسرائيل وحلفائها الغربيين. بدأ التوتر بين الفصيلين الفلسطينيين عام 2007 تزامنًا مع سيطرة حماس على قطاع غزة عقب فوزها بالانتخابات التشريعية في العام المنصرم، ومنذ ذلك الوقت ويعمل كلٌ من الفصيلين بلا كلل لاستغلال نقاط ضعف الآخر. 

لا يقتصر الأمر على الانقسام بين الأحزاب السياسية فحسب بل على التضارب داخل الأحزاب أيضًا مما يصعّب تصدير صورة عن وضع داخلي مستقر يمكنه أن يقف في وجه الظلم. أظهر هذا الانقسام للمجتمع الدولي أن ديمقراطية إسرائيل المثالية لا بد لها أن تستمر في فرض نظام الفصل العنصري على فلسطين بالإضافة إلى أنه ترك الشعب الفلسطيني في حالة انفصال عن قادته السياسيين، وقد وصف "غيث العُمري" الكاتب في صحيفة "واشنطن انستيتيوت" الانقسام الفصائلي بأنه انقسام بين "استبداد حماس المتهكم في غزة واستبداد فتح غير المجدي في الضفة الغربية."

أدى عدم قدرة الفصائل السياسية الفلسطينية على الاتحاد في كيان واحد إلى انعدام الثقة بين الوكلاء الرسميين في المنطقة وبين المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية. إذا استمرت سياسة الانقسام الفلسطينية بالمعدل الذي هي عليه الآن فإن عملية بناء شرعية فلسطين المحلية والدولية ستزداد صعوبة مما سيعمق مشكلة التزاماتها وقدرتها على المساومة الاستراتيجية.

التوجه نحو التطبيع في عام 2020

كخطوة استراتيجية في تعزيز نفوذها الجيوسياسي، قامت إسرائيل مؤخرًا بإقامة شراكات وصفقات تطبيعية مع جيرانها الأقل ديمقراطية مما سمح لها بمواصلة انتهاكاتها لحقوق الإنسان في ظل نظام الفصل العنصري الذي يحد من موثوقية فلسطين وداعميها الإقليميين.

أثارت اتفاقية التطبيع الأخيرة في سبتمبر 2020 بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة جدلًا كبيرًا في المنطقة العربية، مما سمح للولايات المتحدة الأمريكية بتحقيق المزيد من التقدم في أهدافها الإقليمية. تفيد التقارير أن التطبيع بين الدولتين يحقق السلام الذي تحتاج إليه منطقة الشرق الأوسط بشدة، ولكن على عكس هذا التصور المثالي لماهية علاقات التطبيع فإن الهدف الأساسي ليس السلام والصداقة بل هي طريقة الأنظمة الاستبدادية في توسيع نفوذها من خلال البقاء على الجانب الصحيح من السياسة الدبلوماسية والأمنية للولايات المتحدة.

يمكن وصف عام 2020 بأنه العام الذي حظيت فيه إسرائيل بالقبول وزيادة نفوذها في المنطقة حيث أن التطبيع الإماراتي فتح المجال لتكوين علاقات مع السودان والمغرب والبحرين. تعد هذه العلاقات مثالًا ممتازًا لورقة المساومة التي تمتلكها إسرائيل على الأنظمة الاستبدادية، ولم تؤد هذه القوة التفاوضية إلى زيادة قدرة إسرائيل على تكوين علاقات في المنطقة فحسب، بل وعززت موثوقيتها الدولية كوكيل رئيس في الشرق الأوسط.

الخوف من الإدانة الإقليمية

إن قدرة إسرائيل على الحفاظ على قوتها الإقليمية ومواصلة تطبيق نظام الفصل العنصري مرهونة جزئيًا بجيرانها الاستبداديين ومدى تجاهلهم للجرائم السياسية التي تحدث في المنطقة، ففي حال توجهت دول المنطقة نحو الديمقراطية، فإنها ستسمع لأصوات المعارضة الشعبية والتعبئة الجماهيرية ضد الفظائع الإسرائيلية وتتصرف بناءً عليها، وبالتالي فإن الخوف من الإدانة الإقليمية هو جزء من السبب وراء استراتيجية إسرائيل المعادية للثورة.

على الرغم من توقف دعم الأنظمة الاستبدادية للقضية الفلسطينية وتحوله بشكل كبير إلى الاعتراف بالدولة الإسرائيلية، إلا أن النضال من أجل القضية الفلسطينية لا يزال سائدًا في الشارع العربي.

ولكن بالنسبة للقادة السياسيين، تراجعت أهمية القضية الفلسطينية من الناحية السياسية إلى حد كبير منذ الربيع العربي في عام 2011 ويرجع هذا إلى التشتت الناتج بعد هذه الفترة، ومع تعافي الدول العربية من تداعيات أحداث 2011 فبعض الدول التي تحاول التوجه إلى الديمقراطية مثل تونس لديها الكثير من الضغوطات الداخلية إزاء الترويج لفكرة أن التطبيع ينهي الصراع العربي الإسرائيلي وتقديم إسرائيل لنفسها على أن العالم أصبح أكثر قبولًا لموقعها في المنطقة.

بشكل أساسي، سيكون الكفاح من أجل القضية الفلسطينية أكثر فاعلية إذا انتقلت الأنظمة في الشرق الأوسط من حكمها الاستبدادي إلى حكمٍ أكثر ديمقراطية ووصولًا إلى الديمقراطية المباشرة.

زيادة القوة التفاوضية

ستتلاشى ورقة المساومة الإسرائيلية باعتبارها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة في حال كانت المنطقة مشبعة بأنظمة ديمقراطية أخرى إذ أن زيادة الدول الديمقراطية في المنطقة ستزيد من الجاذبية الدبلوماسية للمنطقة وستسعى دول الغرب لإقامة تحالفات مع دول أخرى غير إسرائيل، وسيعني هذا التحول الخطير أن الميزة التنافسية لإسرائيل باعتبارها الدولة الأكثر حرية في الشرق الأوسط ستُستبدل بأنظمة استبدادية جديدة وقوية.

على افتراض أنها الدولة الديمقراطية الرائدة في المنطقة، فإن احتضان إسرائيل لأنظمة العالم الأكثر استبدادًا أمر صادم ومخجل للغاية في تعريف الديمقراطية الحقيقية. استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس التشادي إدريس ديبي عام 2018 منهيًا 46 عامًا من قطع العلاقات وأبرمت إسرائيل اتفاقات مع السودان والبحرين بالإضافة إلى أنها كانت تعمل مع قادة مستبدين مثل اللواء عبد الفتاح البرهان الذي استولى على السلطة في السودان عقب الانقلاب العسكري، كما اتخذت إسرائيل موقفًا داعمًا بالدفاع عن "محمد بن سلمان" من المملكة العربية السعودية في قضية مقتل "جمال خاشقجي"

أثناء توليه منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أعلن "بنيامين نتنياهو" عن اعتقاده بأن مستقبل السياسة لن يكون بيد الدول الليبرالية وحدها. بالإضافة إلى كونها بعيدة كل البعد عن كونها منارة للدول الأخرى، تحالف إسرائيل مع الأنظمة في الشرق الأوسط يسبب ضررًا كبيرًا لحقوق الإنسان عامةً، فهو يشُجع المهتمين بانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة العربية من الغرب على غض الطرف عن الإجراءات التي تتخذها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ضد مواطنيها بسبب أن لديهما اتفاقًا مع إسرائيل.

إن الرصيد المفتوح الذي تتمتع به إسرائيل من بعض مؤيديها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سيستمر ليشمل الدول الاستبدادية التي تتعارض مع الحرية وبالتالي فإن تطبيع العلاقات بين إسرائيل و"محمد بن زايد" من الإمارات العربية المتحدة يعيق إصلاحات حقوق الإنسان في المنطقة كاملةً وليس في فلسطين فقط.

إسرائيل متمكنة، وقد أثبتت أن الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية لا يقوم على إصلاح إسرائيل معاملتها للفلسطينيين وإنهاء الاحتلال، وبالمثل فإن التأثير السيء على حقوق الإنسان الناتج عن انعدام رغبة إسرائيل في التغيير يتفاقم بسبب تحفز مؤيدي إسرائيل لدعم الأنظمة الاستبدادية التي توصلت إلى اتفاق مع إسرائيل.

في النهاية يمكن القول أنه كان هناك الكثير من المعارضة والنزاع حول التحولات الديمقراطية في المنطقة والتي تمثلت في سلسلة من الأدوات والحملات الجيوسياسية الاستراتيجية من أجل الحفاظ على سلامة إسرائيل ومكانتها كأقوى وأكبر حليف وعميل للولايات المتحدة الأمريكية.

يجب على إسرائيل أن تضع حدًا لنظام الفصل العنصري وأن تحترم مجموعة القيم والمبادئ لتحقيق ديمقراطية حسنة الأداء وضمان الاستقرار الإقليمي.

المصادر

https://www.hrw.org/report/2021/04/27/threshold-crossed/israeli-authorities-and-crimes-apartheid-and-persecution

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/palestinian-politics-are-more-divided-ever

https://foreignpolicy.com/2020/12/21/arab-ties-israel-diplomacy-normalization-middle-east/

https://foreignpolicy.com/2020/08/21/its-not-a-peace-deal-its-a-powder-keg/

https://english.alaraby.co.uk/opinion/deeper-look-israels-relationships-arab-autocrats

هذا المقال مترجم من اللغة الإنجليزية. النسخة الأصلية: هنا

ذات علاقة

على إسرائيل مراجعة سياساتها تجاه المهاجرين والعمالة الوافدة ووقف ترحي...

على إسرائيل مراجعة سياساتها تجاه المهاجرين والعمالة الوافدة والتوقف عن اتخاذ إجراءات ترحيل قسري بحقهم

إمباكت لممثلة الأمم المتحدة للهجرة الدولية: ضعوا حدًا لسياسات إسرائيل...

وجهت إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان خطابًا عاجلًا لممثلة الأمم المتحدة الخاصة للهجرة الدولية، “لويز أربور”، طالبتها فيه بالعمل من أجل حث إسرائيل على...

من غزة للعالم... كيف تبدو الحياة تحت الحجر؟

في بقعةٍ صغيرةٍ من الأرض، يقبع نحو مليوني ساكن تحت الحجر السياسي منذ ما يزيد عن 13 عامًا. نعم، إنه قطاع غزة!