أزياء سريعة بتكلفة بشرية: "زارا" تفضّل المبيعات على الأخلاقيات

أزياء سريعة بتكلفة بشرية: "زارا" تفضّل المبيعات على الأخلاقيات

تعد "زارا" Zara، إحدى العلامات التجارية لمجموعة "اندتكس" Inditex  التي تعتبر واحدة من أكبر شركات بيع التجزئة للأزياء في العالم، والمفضلة للمتسوقين في الشوارع التجارية في أوروبا، مع ما يقرب من 3000 متجرًا منتشراً في 96 دولة مختلفة. لكن أحد الأسئلة المهمة التي يجب طرحها حول هذه العلامة التجارية المؤثرة: ما مدى أخلاقية سياسات العمل الخاصة بهم؟ على مدى السنوات القليلة الماضية، رُفعت العديد من الادعاءات ضد "زارا" بسبب ظروف العمل القسري في مصانعها في دول مثل إسبانيا، والبرازيل، والأرجنتين، وميانمار.

خلال الأشهر القليلة الماضية، أدرك العديد من متسوقي الأزياء السريعة الضرر الحقيقي الذي يلحقه إدمانهم على التسوق بالعمال الذين ينتجون هذه الملابس. حتى أن كثيرين آخرين بدأوا في مقاطعة "زارا" على وجه التحديد لارتباطها غير المقبول بمعسكرات العمل القسري في الصين وظروف العمل المهينة في مصانعها البرازيلية.

تم الإبلاغ عن وجود عمال يعملون في مصانع داخلية وخارجية مسيّجة ضمن سلسلة التوريد الخاصة بـ "زارا"، لمراقبة كافة تحركاتهم.

تُعرّض ماركات الأزياء السريعة مثل "زارا" عمالها لظروف عمل قاسية للغاية حول العالم. تخفي الشركات الدولية مثل Zara، و H&M، و Pretty Little Thing، و Asos، وBershka، وغيرها الكثير، انتهاكاتها العمالية خلف سلسلة معقدة من سلاسل التوريد التي غالبًا ما تكون في البلدان النامية من العالم والتي تفتقر لقوانين العمل.

تكمن المشكلة في سلاسل الإمداد الخاصة بالعلامات التجارية الدولية، حيث تقوم العلامات التجارية للأزياء بالاستعانة بمصادر خارجية من الأسواق الخارجية، وخاصة من جنوب شرق آسيا. وهذا يثبت أنه من الصعب على الشركات مراقبة حقوق عمالها بشكلٍ مباشر، لأنها تعتمد على موردي السلع المستعملة.

 

الموضة والعمل القسري

في مارس 2021، أصدرت "إنديتكس" وهي العلامة التجارية الأم لشركة "زارا"، بيانًا على موقعها الخاص أكدت فيه على سياسات العمل الخاصة بالشركة، وذكرت أنها "لا تغفر إطلاقًا العمل القسري على اختلاف أشكاله، ولديها سياسات وإجراءات صارمة لضمان عدم حدوثه في أي مكان من سلاسل توريدها".

كان هذا البيان ظاهرًا على موقع الشركة حتى تاريخ 25 مارس 2021 وتمت إزالته في اليوم التالي، وأوضحت "إنديتكس" الأسباب الكامنة وراء حذف مثل هذا البيان المهم. بعد ردة فعل عنيفة ضربت العديد من العلامات التجارية للأزياء السريعة، مثل "زارا"، فيما يتعلق بسلاسل التوريد الخاصة بهم في منطقة "شينجيانغ" الشمالية الغربية من الصين، تم إصدار العديد من البيانات التي تفصل الإنتاج عن مصانع العمل القسري في "شينجيانغ".

وبالمثل، حذفت ماركة الأزياء السريعة H&M أيضًا بيانًا يدين العمل القسري في "شينجيانغ"، بسبب المواجهة المفترضة مع الصين بشأن استمرار سلاسل التوريد الخاصة بها في المنطقة. تواجه الشركات التي تقف في وجه العمل القسري الذي يحدث في الصين مخاطرًا كبيرة، لأنها ستضطر للاختيار بالفعل بين نسبة مبيعاتها وأخلاقيات العمل الخاص بها، فتعتبر الصين أكبر سوق للأزياء في العالم، لذا اختارت العديد من الشركات مثل Zara و H&M اختارت تصريحاتها حول العمل القسري. بدون سلاسل التوريد الصينية، لم تكن العديد من الشركات لتنعم بمثل هذا الازدهار.

يعتبر هذا الإجراء مثالًا لواحدة من العديد من العلامات التجارية، مثل H&M ، التي حذفت بياناتها بسبب ضغوط الصين بخصوص سلاسل التوريد ومصادر القطن في منطقة "شينجيانغ". قد يكون إجراء "زارا" ناتجًا عن التهديد الذي تلقته من العلامات التجارية الأخرى من الصين عند إدانتها للعمل القسري. منذ عام 2016، كانت المنطقة مليئة بالعمل القسري ومعسكرات إعادة التأهيل، حيث يتكون أكثر من نصف سكان المنطقة من مسلمي الإيغور، وهو ما قد يصل إلى 12 مليون منهم.

دافعت الحكومة الصينية عن معسكرات العمل القسري هذه من خلال تصنيفهم ضمن "مراكز التدريب الوظيفي" والتي تعمل لصالح الإيغور. ومع ذلك، وبالرغم من الرقابة الشديدة، يتعرض العمال في معسكرات العمل في "شينجيانغ" لظروف معيشية وعمل سيئة، كما يواجهون الإساءة الجسدية والنفسية، وتتعرض نساء الإيغور للتعقيم القسري.

كون "شينجيانغ "أحد المنتجين الرئيسيين للقطن في العالم، فالتحقيق في العلامات التجارية مثل "زارا" وشفافية سلسلة التوريد الخاصة بها يعتبر أمرًا مقلقًا للغاية. فتم ربط معظم هذه المراكز التعليمية والتوظيفية بسلاسل توريد القطن التي تذهب مباشرة إلى أشهر علامات الأزياء الراقية.

تحدث العديد من الانتهاكات أيضًا في سلاسل التوريد التابعة لجهات خارجية في مصانع "زارا" في البرازيل، حيث يقوم بائع الأزياء بالتجزئة بتوريد الملابس من المصانع البرازيلية المتورطة في تعريض عمالها لظروف العبودية الحديثة كعملهم لمدة تصل إلى 16 ساعة يوميًا. تم تقييد حرية هؤلاء العمال البرازيليين في التنقل أيضًا، وأجبروا على العمل في ورش عمل ضيقة في مدينة ساو باولو.

وفقًا للتحقيقات التي أجريت على مدار السنوات الثماني الماضية، عرّضت ورشة العمل البرازيلية علامة "زارا" لخطر الدخول إلى قائمة الشركات التي تعمل في ظروف عمل العبيد. ففي عام 2015، وُجِد أيضًا أن شركة زارا منخرطة في ممارسات العمل التمييزية في البرازيل، فكانت ورش عملها تحظر توظيف المهاجرين القانونيين تمامًا.

 

الشفافية لحماية الموظفين

تعتبر الشفافية ضرورة في كل عمل، بغض النظر عن حجمه أو مدى تأثيره، فيجب التأكد من ضمان حقوق العمل العادل وصلاح العمال في عمليات إنتاج الشركات وسلاسل التوريد الخاصة بها.

ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن شفافية السياسات لا تضمن سياسات وممارسات عمل تحترم حقوق العمال. لهذا، قد تقدم العلامات التجارية قدرًا مقبولًا من المعلومات حول سياساتها، ومع ذلك تستمر في التصرف بطريقة غير أخلاقية مع عمالها، الأمر الذي أدى إلى إلحاق الضرر بالموظفين العاملين ضمن سلاسل التوريد الخاصة بها. ومع ذلك، تعد الشفافية إحدى أهم الأساسيات التي يجب على العلامات التجارية مثل "زارا" ضمانها لحماية مجتمعها، وموظفيها، وبيئة عملها.

بالنسبة للعلامات التجارية للموضة السريعة مثل "زارا"، من المقلق للغاية عدم إبلاغ العملاء بسوء المعاملة التي يواجهها العمال وراء الكواليس في مصانع سلاسل التوريد الخاصة بها والمنتشرة في قارات مختلفة حول العالم.

 

كوفيد-19 وعواقبه

في أعقاب جائحة كوفيد-19، وجد موظفو "زارا" أنفسهم محرومين من العلاج الذي كانوا يتلقونه. بينما خدم الوباء العديد من الموظفين في مصانع "زارا" في إسبانيا، تعرض الموظفون في مصانع ميانمار لضربةٍ شديدة.

يجب عدم التمييز في حقوق العمل والحق الحصول على الرعاية الصحية، بل يجب أن تُطبّق سياسات العمل ذاتها في جميع مستودعات ومصانع "زارا" لضمان احترام حقوق كافة العمال.

ففي إسبانيا، تم تقديم Zara كبطل مع ظهور الوباء، حيث سخّر "أمانسيو أورتغا" Amancio Ortega 11 من مصانع الملابس التابعة لها لإنتاج معدات الحماية الشخصية (PPE)، الملياردير المؤسس للشركة الأم "إنديتكس". فأنتجت هذه المصانع الجديدة أقنعة، وألبسة مستشفيات، وأجهزة تنفس مستوردة للمستشفيات الإسبانية. لكن خلال هذا الوقت، لم تُسمع أصوات موظفي "زارا" في الخارج. حيث حُرِم العمال من ظروف العمل الصحية، ومعدات الرعاية الصحية من قبل ذات المالك الذي كان ينتجها في إسبانيا.

يجب عدم التمييز في حقوق العمل والحق الحصول على الرعاية الصحية، بل يجب أن تُطبّق سياسات العمل ذاتها في جميع مستودعات ومصانع "زارا"، لضمان احترام حقوق كافة العمال.

مع إلغاء العديد من الطلبيات وإغلاق المتاجر مؤقتًا، تم فصل 500 عامل على الأقل في مصنع ميانمار. بينما تُرك الكثيرون لمواصلة العمل لمدة 11 ساعة يوميًا، مع يوم عطلة واحد فقط أسبوعيًا. بالإضافة إلى ذلك، يتقاضى العمال 3.50 دولارًا أمريكيًا إلى 4.75 دولارًا أمريكيًا في اليوم، مما يتركهم في حالة فقر شديدة مع قدوم الوباء.

 

عمال بلا أجور في تركيا

لا يمكن أن نفرغ من الحديث عن انتهاكات "زارا" العمالية دون التطرق لظروف عمل مصانعها في تركيا، ففي عام 2017، كانت الانتهاكات العمالية شديدة الخطورة لدرجة أن عمال المصانع الأتراك بدأوا في خياطة مناشدات داخل الملابس لتوعية العملاء بسوء المعاملة التي يتعرضون لها.

خاط العمال هذه المناشدات في الملابس لطلب المساعدة، فأخبروا العملاء أنه على الرغم من أنهم أنتجوا هذه الملابس، إلا أنهم لم يحصلوا على سنت واحد مقابل جهودهم الشاقة. مازال على المصنع الذي كان يزود "زارا" وغيرها من عمالقة الأزياء بالتجزئة والذي يسمى "برافو تيكستيل" Bravo Tekstil سداد أجور ومدفوعات أكثر من 140 عاملاً.

 

التحقيقات في "جرائم ضد الإنسانية"

في الثاني من يوليو، فتح المدعون العامّون في فرنسا تحقيقًا في أربعة من العلامات التجارية الرائدة في مجال الأزياء السريعة حول العالم، ومن بينها "اندتكس"، مالكة العلامة التجارية "زارا". تم فتح هذه التحقيقات على متاجر التجزئة السريعة اليابانية Uniqlo و Skechers و SMPC و Inditex بسبب مزاعم بالتورط في "جرائم ضد الإنسانية" في منطقة "شينجيانغ" الصينية.

تخضع هذه العلامات التجارية الآن للتحقيق بسبب اتهامات بأنها تعمل في الصين وتستغل سكان الإيغور في "شينجيانغ" بأشكال عدة من العمل القسري. ومع ذلك، أنكرت هذه العلامات التجارية أي روابط لإنتاجها بمعسكرات العمل القسري في الصين.

رفضت "اندتكس"، مالكة العلامة التجارية "زارا" بشدة الادعاءات المقدمة ضدهم واستمرت في التصريح بأنهم لا يتسامحون مطلقًا مع جميع أشكال العمل القسري، من خلال السياسات والإجراءات المعمول بها للتأكد من عدم حدوث مثل هذه الانتهاكات العمالية في جميع نقاط سلاسل التوريد.

تم الإبلاغ عن وجود عمال يعملون في مصانع داخلية وخارجية مسيّجة ضمن سلسلة التوريد الخاصة بـ "زارا"، لمراقبة كافة تحركاتهم. علاوةً على ذلك، يتم إبعاد العديد من هؤلاء العمال عن عائلاتهم ونقلهم بعيدًا عن أماكن إقامتهم، مما يجعلهم أكثر ضعفًا وعرضة لانتهاكات حقوق العمال التي تحدث. علاوةً على ذلك، يتلقى هؤلاء العمال وعائلاتهم تهديدات يومية، وترهيبًا، وإكراهًا لضمان صمتهم الأبدي.

 

الاختيار بين الأخلاقيات والمبيعات

من المثير للقلق أن "زارا" هي واحدة من العديد من شركات بيع الأزياء بالتجزئة الذين أهملوا حقوق عمالهم مقابل خفض تكاليف الإنتاج وزيادة المبيعات. بصفتها علامة تجارية معترف بها دوليًا، على "زارا" ألا تسمح بظروف العمل المهينة والقاسية لموظفيها في سلاسل التوريد الخاصة بها. لهذا السبب، على تجار التجزئة للأزياء السريعة:

ضمان الشفافية الكاملة في سياسات العمل الخاصة بهم، لضمان حماية الموظفين في جميع مراحل سلسلة التوريد والإنتاج، وأن العملاء على دراية بعملية إنتاج المنتجات التي يشترونها.

• نشر المعلومات المتعلقة بسلاسل التوريد للعلامة التجارية، وسياسات العمل، وإجراءات العناية الواجبة بحقوق الإنسان وممارسات العمل.

• التأكد من دمج العناية الواجبة بحقوق الإنسان والشفافية في سياسات شركات البيع بالتجزئة، على النحو المنصوص عليه في مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.

في ضوء ذلك، يجب على العلامات التجارية مثل "زارا" أن تنشر الأنظمة التي تمتلكها علاماتها التجارية لمراقبة حقوق الإنسان تماشيًا مع ضرورة بذل العناية الواجبة في جميع سلاسل التوريد الدولية الخاصة بها.

• الانخراط في بحوث مكثفة حول سلاسل التوريد التي ترغب الشركات في إبرام عقود معها للتأكد من أن لديها نفس سياسات العمل وتحترم حقوق عمالها.

• التأكد من أن سياسات حقوق الإنسان الخاصة بالشركات سهلة الوصول ومفهومة لجميع الموردين، كما يجب أن يغطي تقييم المخاطر وتحقيقات العمل جميع مستويات سلاسل التوريد.

• دمج سياسات قوية لضمان حصول جميع العمال في سلاسل التوريد الخاصة بها على أجر معيشي مناسب لضمان عدم وقوع الموظفين في شرك الأجور المقيدة المقدمة في قطاعات الملابس في جميع أنحاء العالم.

 

ذات علاقة

إمباكت لممثلة الأمم المتحدة للهجرة الدولية: ضعوا حدًا لسياسات إسرائيل...

وجهت إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان خطابًا عاجلًا لممثلة الأمم المتحدة الخاصة للهجرة الدولية، “لويز أربور”، طالبتها فيه بالعمل من أجل حث إسرائيل على...

مع انتشار فوضى فايروس كورونا.. انتهاكات حقوق الإنسان تتصاعد أكثر من أ...

مع انتشار فوضى فايروس كورونا.. انتهاكات حقوق الإنسان تتصاعد أكثر من أي وقتٍ مضى

دليل الأعمال التجارية: كيف نطبق معايير حقوق الإنسان خلال مكافحة فيروس...

من الواجب على الشركات والمؤسسات الربحية وغير الربحية أن تكون جزءًا من الحل، من خلال حماية صحة موظفيها وعملائها، والحد من انتشار فيروس كورونافي محيطها.