طريقٌ شاق: تحقيق المساواة الجندرية في أماكن العمل في آسيا

طريقٌ شاق: تحقيق المساواة الجندرية في أماكن العمل في آسيا

يعتبر مكان العمل أحد المجالات الرئيسية التي تسود فيها عدم المساواة بين الجنسين، حيث كان الشرارة الأولى لبدء النساء بالحديث عن حقوقهنّ في أوائل التسعينيات.

تعتبر المساواة بين الجنسين أمرًا بالغ الأهمية لتطور الدول، وتعد المساواة في الأجور وأجواء مكان العمل مؤشرات رئيسة لذلك.

تقع القضايا المتعلقة بمكان العمل في صلب المشاكل والتمييز الذي تضطر النساء لمجابهته، بدايةً من النعرة الذكورية، وحتى النظام الأبوي، ويبدو أن لا نهاية لهذا الأمر. في البلدان الآسيوية مثل باكستان، والهند، وبنغلاديش، تشكل النساء ما يقرب من 50 ٪ من التعداد السكاني. وعند النظر للتركيبة الاجتماعية للدول الآسيوية، يتضح أنهنّ في وضعٍ لا يُحسدن عليه، فتولد كل فتاة بينما يريد والداها مولودًا ذكر. تضطر المرأة الآسيوية للتعامل مع مجموعة من القضايا مثل: الأمّية، والعنف المنزلي، والتمييز بين الجنسين، وزواج الأطفال، والتحيز ضد المرأة. وبينما يقمن بأكبر قدر من العمل، سواء في المنزل أو على المستوى المهني، لا يتم منحهنّ فرصًا متساوية للازدهار والتطور.

يدير المال العالم بأسره، فيحتاج الجميع له لعيش حياة سلسة ومُرضية، فيمكن على سبيل المثال للرصيد المصرفي منح الفرد إحساسًا أكبر بالثقة والأمان. ومع ذلك، تُحرم النساء من التمتع بهذه الاستقلالية بسبب افتقارهنّ للأموال. بالإضافة إلى ذلك، يواجهن العديد من المشكلات في أماكن عملهن منها: التحرش الجنسي، وعدم المساواة في الأجور، وتأخير الترقيات. بناءً على مؤشر عدم المساواة بين الجنسين لعام 2020، تحتل باكستان المرتبة 154 والهند في المرتبة 131، بينما تحتل بنغلاديش المرتبة 133 من بين 189 دولة.

ما يقرب من 3٪ فقط من النساء يصلن إلى منصب مدير في بنغلاديش، والنساء يتقاضين باستمرار أجورًا أقل من الرجال.

- "زفرون أفساري"، صحفية تراقب عن كثب الثقافة البنجلاديشية

تعيش النساء في بنغلاديش ظروف حياتية صعبة، فمن يعشن في المناطق الريفية يعملن في الحقول بينما تعمل النساء في المناطق الحضرية في الشركات والمدارس في كل من القطاعين العام والخاص. تشكل النساء نحو 30 ٪ من القوى العاملة البنجلاديشية، فيعمل عدد كبير منهنّ في صناعة الملابس، حيث يعملن على مدار الساعة ويواجهن مشكلات عديدة. يستفيد رؤساء الأعمال بشكلٍ كبير من عملهن. ذكرت "زفرون أفساري"، وهي صحفية تراقب عن كثب الثقافة البنجلاديشية، أن المواقف الاجتماعية والتصورات حول النساء والفتيات لم تتغير بما فيه الكفاية. وفي حديثها عن الحياة المهنية، ذكرت أن ما يقرب من 3٪ فقط من النساء يصلن إلى منصب مدير. وخلال عملها كصحفية، عانت هي أيضًا من عدم المساواة هذه. بالإضافة إلى ذلك، ذكرت أن النساء يتقاضين باستمرار أجورًا أقل من الرجال. علاوةً على ذلك، لا تُمنح المرأة مناصب عليا بسبب قضايا مختلفة، مثل نقص التعليم، والقوالب النمطية، والأدوار المتعلقة بالجنسين والتي تستبعد المرأة، والتي جميعها تضعف المساواة بين الجنسين في بنغلاديش.

في الثقافة الهندية، يتم التعامل مع المرأة كسلعة ولا يتم توفير فرص متساوية لها، مما يفتح المجال لاستغلالها. يتجذر النظام الأبوي بعمق في المجتمع الهندي. ووفقًا لتقرير عن حقوق الإنسان، في الهند تتعرض واحدة من كل أربع فتيات للاغتصاب أو التحرش خلال حياتها. تنتقل تجارب التحرش هذه من جيل لآخر وتحدث خلال طفولتهن، لكنها قد تحدث أيضًا في مكان العمل. تحدثت النساء في مجال عالم الجمال ووسائل الإعلام حول التمييز بين الجنسين الذي يواجهنه، فتحدثت الممثلة والراقصة الهندية الشهيرة "راخي ساوانت" عن معاناتها مع عدم المساواة بين الجنسين عندما كانت وافدة جديدة، فذكرت في أحد المقابلات كيف كانت تتعرض للتحرش من قبل أحد المخرجين، مضيفةً أن احترام وكرامة المرأة تقع على المحك. كما زعمت ممثلات بوليوود وهوليوود الأخريات أنهن يتقاضين أجورًا أقل من نظرائهن من الرجال. بلدٌ مثل الهند، والتي تعد واحدة من أكبر النظم الديمقراطية في العالم، غير قادر حاليًا على تحقيق المساواة بين الجنسين، بل يأخذ التفاوت بين الجنسين في الازدياد. يجب أن تكون المرأة قادرة على كسب أجور عادلة في بيئةٍ آمنة، لكن هذا ليس الحال في الهند حاليًا.

وضع المرأة في باكستان ليس أفضل بكثير، فوفقًا للدراسة الاستقصائية للاقتصاد في باكستان، يبلغ معدل محو الأمية لدى الرجال حوالي 72٪ بينما يبلغ 49٪ لدى النساء. وتشمل هذه النسب الأفراد الذين يعرفون فقط كيفية كتابة أسمائهم. تشكل النساء حوالي 49٪ من السكان في باكستان و22٪ من القوة العاملة. نظرًا لقلة عدد النساء العاملات في باكستان، يمكننا أن نفترض أن معظمهن مُعالات. تمتلئ الأخبار بقصص العنف المنزلي، والتحرش الجنسي، وجرائم الشرف، والاغتصاب، وزواج الأطفال، وما إلى ذلك. فللأسف، لا يوجد دليل عملي أو ثقافي على أن المرأة تحصل على العدالة والإنصاف التي تستحقها. وباستمرار هذا الحال، لا يمكن لباكستان أن تزدهر وتتقدم كدولة. صرّح "محمد علي جناح" مؤسس جمهورية باكستان الإسلامية:

"لا يمكن لأمة أن ترتفع إلى ذروة المجد إلا إذا كانت نسائها جنبًا إلى جنب مع رجالها، فنحن ضحايا العادات الشريرة. وإنها لجريمة ضد الإنسانية أن يتم حبس نسائنا داخل الجدران الأربعة للمنازل كسجينات. لا توجد عقوبة في أي مكان للحالة المؤسفة التي تضطر نسائنا العيش فيها ".

عندما تُمنح النساء فرصًا متساوية للتعلم، والقراءة، والكتابة، فيمكنهن تحقيق مستوى جديد من الثقة بالنفس يسمح لهن بحماية أنفسهن.

تعتبر المساواة بين الجنسين أحد أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر للأمم المتحدة، والتي تهدف بشكل أساسي لتمكين جميع النساء والفتيات، فتعاني النساء من عدم المساواة والتمييز الوظيفي، واللذان يمكن معالجتهما من خلال سياسات مراعية للاعتبارات الجنسانية. عملت البلدان التي حصلت على مكانة جديرة بالثناء في مؤشر عدم المساواة بين الجنسين على نطاق واسع على تعزيز حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين. فحان الوقت لإجراء محادثات حول سبب تأخر الكثير من الدول الآسيوية في هذا المؤشر، مقارنة بالدول الأخرى مثل النرويج، وأيسلندا، وأيرلندا. ضمن الموضوعات المهمة التي يجب مناقشتها، على سبيل المثال، التركيبة والسلوكيات الاجتماعية المزعجة، كما ينبغي أيضًا مناقشة معدلات محو الأمية المنخفضة بشكلٍ مثير للقلق، والذي يعد أحد أكبر مصادر الجهل بالحقوق والواجبات الأساسية. عندما تُمنح النساء فرصًا متساوية للتعلم، والقراءة، والكتابة، فيمكنهن تحقيق مستوى جديد من الثقة بالنفس يسمح لهن بحماية أنفسهن.

لحل قضايا عدم المساواة بين الجنسين الخاصة بمكان العمل، يتعين على قادة المنظمات اتخاذ الخطوات الأولى بتبني سياسات بنّاءة، فللتغلب على مشكلات مكان العمل، يجب أن تتوفر بيئة آمنة ومواتية دائمًا. وللحكومات دور مهم في تعزيز المساواة بين الجنسين أيضًا، فعليهم تعزيز المؤسسات والأقسام المعنية مباشرة بقضايا النوع الاجتماعي، ووضع إطار يعالج الاستغلال وعدم المساواة على المستويين الجزئي والكلي. هذه هي الطريقة التي يمكن بها إنشاء مساحة آمنة للنساء في المجتمع، والتي تمكنهنّ على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي. لا يمكن تحقيق المساواة بين الجنسين إلا عندما يعمل المجتمع المدني والجهات المعنية جنبًا إلى جنب، حينها فقط يمكن أن يحدث التغيير الإيجابي للمجتمع بأسره.

 

ذات علاقة

دور الأعمال التجارية في تخفيف الأثر الاجتماعي لجائحة كورونا على العما...

أسفرت جائحة كورونا عن عواقب وخيمة غير مسبوقة حول العالم طالت كافة شرائح المجتمعات، بدءًا من أصحاب الأعمال وصنّاع السياسات، وصولًا إلى العمال من ذوي الدخل...

العلامات التجارية للأزياء السريعة ملطّخة بانتهاكات حقوق الإنسان والعم...

خلال الأعوام الماضية، نالت العديد من العلامات التجارية الشهيرة في مجال الأزياء السريعة أشكالًا مختلفة من الانتقادات التي شملت اتهامها بتوظيف العمل القسري...

مصر: مئات العاملين في الجامعة العمالية دون رواتب بفعل سوء التخطيط

مصر ملزمة بالوفاء بتعهداتها إزاء اتفاقية حماية الأجور الدولية التي صادقت عليها القاهرة في العام 1949 والتي تنص على ضرورة دفع الأجور دوريًا