محاسبة الشركات التي تغتصب البيئة مسؤوليتنا جميعًا

محاسبة الشركات التي تغتصب البيئة مسؤوليتنا جميعًا

على مدى عقود، أفلتت الشركات متعددة الجنسيات التي تجني مليارات الدولارات من حصاد الأراضي في مناطق جنوب الكرة الأرضية الغنية بموارده الطبيعية من المساءلة عن الأضرار التي لحقت بالبيئات المحلية وسبل العيش.

ولكن في الآونة الأخيرة، انقلبت موازين العدالة أخيرًا لصالح مجموعة من صغار المزارعين والصيادين النيجيريين. مثل تلك القرارات يجب أن تشمل جميع القطاعات والدول حول العالم!

حدث ما يسميه أنصار البيئة بـ "الانتصار" الأولي حين قضت محكمة الاستئناف في لاهاي بأن شركة فرعية تابعة لشركة "رويال داتش شل" (شركة نفط متعددة الجنسيات)، مسؤولة عن تسرب النفط في دلتا النيجر، وأن عليها تعويض السكان والعمل على تنقية المياه التي تسببت بتلويثها.

وفي الوقت الذي يقع فيه على عاتق مبادرات حقوق الإنسان والمسؤولية الاجتماعية للشركات ضمان أن مساءلة شركة "شل" يمهد الطريق لمساءلات أخرى لشركات النفط التي تدمر البيئة، إلا أن الطريق ليس دائمًا سهلًا. فعلى الرغم من أن المحكمة قضت بأن الشركة الفرعية يجب أن تعوّض العمال المتضررين، إلا أنها لم تحمِّل الشركة الأم "رويال داتش شل" المسؤولية".

يجب أن تعمل مبادرات حقوق الإنسان والمسؤولية الاجتماعية للشركات الآن على ضمان أن العمل ضد شركة "شل" يمهد الطريق لانتصارات أخرى ضد شركات النفط التي تدمر البيئة

-بام بيلي، إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان

إلى جانب ذلك، فقد ادّعت شركة "شل" -والتي تحصل على 12٪ من نفطها وغازها من نيجيريا- أن التسرب النفطي كان نتيجة للعبث غير القانوني. لكن أربعة مزارعين وصيادين نيجيريين قالوا إن التسريبات النفطية للشركة في عامي 2006 و2007 دمرت سبل عيشهم من خلال تلويث الأراضي الزراعية والبرك التي يعتمدون عليها.

وإذا ما نظرنا إلى تاريخ عمل الشركة، فإن أقوال هؤلاء المزارعين هي الأقرب للحقيقة. فلطالما اتُهمت شركة "شل" بممارسات تسبب مشاكل بيئية خطيرة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على مدار سنوات عملها.

مع ذلك، فقد قضت المحكمة بأن الشركة الفرعية فشلت في حماية عملياتها من التخريب، بالإضافة إلى فشلها في تعويض السكان، وأمرتها ببناء أنظمة إنذار أفضل حتى يمكن اكتشاف التسريبات المستقبلية بسرعة.

شركة "شل" ليست الوحيدة، ففي أواخر يناير الماضي، أٌعلن أن السلطات البريطانية تحقق في ممارسات شركة "جلينكور" (Glencore) العملاقة لتجارة السلع الأساسية في حقل النفط "باديلا" في جنوب تشاد، حيث قدمت هيئة رقابية مقرها لندن تدعى "ريد" (Raid)، شكاوى من حول تسرب مياه الصرف السامة التي تسببت في تسمم مياه الشرب والاستحمام، الأمر أدى إلى إصابة السكان المحليين بالحروق والآفات والإسهال.

إلى جانب ذلك، تظهر وثائق ظهرت حديثًا أن شركة النفط البريطانية (BP) كانت متورط في تسرب النفط الموريتاني في المحيط الهندي العام الماضي، فيما حاولت منع التحقيق في الوقود الذي استخدمته ناقلات البضائع السائبة اليابانية التي سرّبت النفط. يحث يطلق على هذا النوع من الوقود اسم زيت الوقود منخفض الكبريت أو (VLSFO)، وهو زيت تجريبي ثقيل للسفن يوصف بأنه "ملوِّث فائق"، ودعت المنظمات البيئية غير الحكومية إلى حظر استخدامه في المنطقة القطبية الشمالية والمسطحات المائية الأخرى، حيث يمكن أن يلامس المناطق الحساسة بيولوجيًا أو المناطق السكانية.

وفي تقريرها بعنوان "العدالة للناس والكوكب: إنهاء عصر هيمنة الشركات، والمؤامرة، والإفلات من العقاب"، تقول منظمة "جرينبيس" (Greenpeace) إن الدول سهلت -طوعًا أو كرهًا- تطوير هيمنة الشركات، وليس سبب ذلك هو الافتقار إلى المعلومات، بل بالأحرى سيطرة مصالح الشركات.

علاج ذلك كله إلى حد كبير هو المسؤولية الاجتماعية للشركات!

لتوضيح ذلك بشكل أكبر.. أنشأ البروفيسور "آرتشي بي كارول" خبير الأعمال بجامعة جورجيا بالولايات المتحدة هرمًا من أربعة مستويات لتوضيح مسؤوليات الشركات الخاصة. من الأسفل إلى الأعلى، هناك مسؤولية اقتصادية، وقانونية، وأخلاقية، وخيرية. فأين يجب وضع التأثير البيئي؟ المسؤولية الاجتماعية البيئية للشركات شاملة لكل القطاعات ويجب دمجها في كافة المستويات. ومع ذلك، على الرغم من إمكانية فرضها، إلا أن الأمر الأكثر فعالية هو أن يطلبها المستهلكون أنفسهم.

لذلك، يقع على عاتقنا جميعًا مسؤولية مراقبة والإبلاغ عن شركات النفط وغيرها من الشركات التي تغتصب الأرض، مع مشاركة النتائج علنًا حتى يمكن للأفراد والشركات الأخلاقية أن تكافئهم أو تعاقبهم من خلال قراراتها الشرائية. الأمر متروك للمستهلكين، والمنظمات، والحكومات المطالبة بذلك، من خلال مشترياتنا واستثماراتنا الفردية، وربما من خلال قوانين جديدة.

 

ذات علاقة

لماذا على الشركات دمج احترام حقوق الإنسان ومكافحة الفساد في عملياتها؟

الدول التي تُعرف قياداتها بالفساد، غالبًا ما تتفشى فيها انتهاكات حقوق الإنسان على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية​

دور الأعمال التجارية في تخفيف الأثر الاجتماعي لجائحة كورونا على العما...

أسفرت جائحة كورونا عن عواقب وخيمة غير مسبوقة حول العالم طالت كافة شرائح المجتمعات، بدءًا من أصحاب الأعمال وصنّاع السياسات، وصولًا إلى العمال من ذوي الدخل...

إمباكت في "رايتسكون": على الشركات والحكومات ومنظمات المجتمع المدني ال...

شاركت إمباكت الدولية الإثنين الماضي في مؤتمر "رايتسكون" الحقوقي الذي تنظمه "أكسس ناو" سنويًا، وانضم للمؤتمر مختلف الشركات الرقمية مثل شركة "فرايزون وايرلي...