موجز سياساتي: استجابة تونس لـ كوفيد -19

موجز سياساتي: استجابة تونس لـ كوفيد -19

ضرب فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) تونس في وقتٍ تشهد فيه البلاد اضطراباتٍ سياسية واقتصادية. فخلال السنوات التي تلت ما أطلق عليه "الربيع العربي" في ديسمبر 2010، استمرت الاحتجاجات والبطالة في التفاقم، مما خلق مزيجًا من الأزمات القابلة للاشتعال والتي تزداد حدتها وتأثيرها اليوم بفعل فيروس كورونا.

وكغيرها من الدول الأخرى، تكافح تونس لتحقيق توازن بين حماية صحة سكانها وإنقاذ اقتصاد البلاد. فكيف استجابت الحكومة التونسية للوباء؟ وكيف أثرّ الوباء على الأزمة التونسية؟

يجيب هذا الموجز السياساتي على هذه الأسئلة من خلال تحليل استعداد الحكومة واستجابتها، بالإضافة إلى جودة إدارتها وتنسيقها قبل وأثناء تأثير فيروس كورونا.

بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة

بدأ ما يسمى بـ "الربيع العربي"، وهو سلسلة الاحتجاجات ضد الأنظمة العربية، في تونس في ديسمبر 2010. اندلعت المظاهرة الأولى بعد أن أضرم المواطن التونسي "محمد بوعزيزي"، وهو بائع متجول كان يبلغ من العمر 26 عامًا، النار في جسده، بعد أن احتجز مسؤولون حكوميون بضاعته.

انتشرت بعد الحادثة الاحتجاجات المناهضة للحكومة في جميع أنحاء البلاد، حيث عبر المواطنون خلالها عن اعتراضهم على ارتفاع معدلات البطالة، والفقر، والقمع السياسي، مما اضطر الرئيس "زين العابدين بن علي" في ذلك الوقت للتنحي والفرار إلى المملكة العربية السعودية.

لكن على الرغم من تحقيق المتظاهرين جزءًا من مطالبهم بتنحي الرئيس، إلا أن الوضع السياسي والاقتصادي في تونس تدهور بشكلٍ درامي في السنوات التالية. فقد واجهت الحكومة العديد من التعديلات والإصلاحات، وأجريت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أكتوبر 2019، عندما تم انتخاب قيس سعيد. مع ذلك، ما يزال البرلمان منقسمًا بين الأحزاب المتنافسة، حيث أدى عدم تمكنه من مواجهة التحديات الأساسية في البلاد إلى تراجع الثقة في الحكومة.

علاوة على ذلك، فقد ظهرت الجماعات المسلحة المحلية أيضًا في تونس منذ 2011، حيث ينتمي بعضها إلى القاعدة أو "داعش". وتهدد الجماعات المسلحة من الدول المجاورة مثل ليبيا والجزائر بهجماتٍ إرهابية استهدفت السياح المحليين والأجانب.

أدى ذلك بشكلٍ أساسي إلى التأثير على الاقتصاد، والذي يعاني هو الآخر من الاضطرابات السياسية والفساد والحرب في ليبيا المجاورة التي عمل فيها العديد من التونسيين حتى وقت قريب، بالإضافة إلى خطر الإرهاب.

وارتفعت البطالة بين فئة الشباب من 23% في 2010 إلى 30% في 2018. لكن تفشي فيروس كورونا أدى إلى تفاقم الأزمة، حيث ارتفعت البطالة بشكلٍ عام من 15% في الربع الأول من عام 2020 إلى 18% في يوليو 2020. وفي مارس، توقع وزير الاقتصاد "حكيم بن حمودة" خسارة في الناتج المحلي الإجمالي بين 660 مليون دولار و 2.2 مليار دولار.

ووسط الاضطرابات، استقال رئيس الوزراء "إلياس الفخفاخ" في يوليو بعد خلاف مع حزب النهضة الإسلامي، مما أدى إلى ضعف التنسيق في الحكم.

كوفيد-19 في تونس

اعتبارًا من 17 نوفمبر، كان هناك 80,404 حالة مؤكدة بفيروس كورونا في تونس، تم الإبلاغ عن تعافي 54,362 منها ووفاة 2,345.

تم اكتشاف الإصابة الأولى في تونس في 2 مارس 2020 لرجل عاد إلى البلاد من إيطاليا. وفي 11 أبريل، تم توثيق انتشار الفيروس بين سكان تونس. وفي 13 أغسطس، أعيد تصنيف تونس على أنها تشهد فقط "حالات متفرقة" في بعض المناطق. لكن هذا الوضع "غير المقلق" قد تذبذب بتحرك البلاد تقدمًا ورجوعًا بين مراحل الجائحة. واعتبارًا من 20 أكتوبر، كانت خمس محافظات في "حالة تأهب شديد" و 13 "في حالة تأهب قصوى" وفقًا لوزارة الصحة التونسية.

استعداد النظام الصحي التونسي واستجابته وتنسيقه

الانتقال المبكر

بحلول نهاية شهر يناير، كانت اختبارات فيروس كورونا متاحة في جميع نقاط الدخول إلى البلاد. مع ذلك، لم يتم إيقاف السفر من البلدان شديدة الخطورة حتى 10 مارس. ولم يتم فرض تدابير وقائية أكثر صرامة حتى منتصف مارس، فتم إغلاق المدارس وحظر التجول لمدة 12 ساعة. بدأ الإغلاق الشامل للبلاد بما في ذلك إغلاق حدودها، في 22 مارس، أي بعد 20 يومًا من اكتشاف الإصابة الأولى في تونس. لكن كان من الممكن أن تؤدي الاستجابة المبكرة إلى احتواء أفضل للفيروس.

وقدمت وزارة الصحة، بما في ذلك المرصد الوطني للأمراض الجديدة والناشئة، تحديثات ونصائح بشكلٍ منتظم للجمهور على موقعها على الإنترنت وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي. وتم اعتماد استراتيجية استجابة وطنية للفيروس في مارس، لكن لم يتم مشاركتها مع الجمهور، وليس من الواضح ما إذا كانت السلطات التونسية قد تفاوضت على شراء الأقنعة وغيرها من معدات الحماية الشخصية، والمعدات الأخرى مثل أجهزة التنفس.

تم اعتماد استراتيجية استجابة وطنية لفيروس كورونا في تونس منذ مارس 2020، لكن لم يتم مشاركتها مع الجمهور

كان النظام الصحي في تونس غير مجهز قبل انتشار وباء كورونا، فكان يحوي 240 سريرًا فقط لوحدة العناية المركزة في البلاد (أي ما يعادل سريرًا واحدًا لكل 100,000 شخص).

يرجع ذلك بشكلٍ أساسيٍ إلى عدم إعطاء الأولوية لقطاع الصحة وسط الصراعات الاقتصادية في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، تقع جميع المستشفيات الخاصة في البلاد في المدن الساحلية، أي بعيدة نسبيًا عن غالبية السكان.

أما في حالات فرض الإجراءات الوقائية، فكان هنالك قصور في توعية السكان. فحين نفذت الشرطة قيودًا صارمة على السفر، لم يتم تقديم معلومات واضحة للجمهور مسبقًا.

ومن القضايا الأخرى التي أثارت مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان استخدام الطائرات بدون طيار والروبوتات للمراقبة. ففي يونيو، كشف رئيس الوزراء "الفخفاخ" أن الحكومة كانت تصل إلى البيانات الشخصية عبر الهواتف المحمولة لرصد التزام المواطنين بالإغلاق، ما جعل السكان، وخاصة النشطاء، قلقين بشأن هذه الانتهاكات للحقوق الفردية والخصوصية.

ووفقًا لوزارة الصحة التونسية، تم توزيع اختبارات فيروس كورونا التي تم التبرع بها على 60 مستشفى فقط في البلاد. في الوقت ذاته، تم تطوير خطة الاستعداد والاستجابة لفيروس كوفيد-19 من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للفئات الضعيفة والتي يتواجد مجموعة كبيرة منها في تونس.

وواجهت تونس تحدياتٍ رئيسة في أبريل، ومنها قيود الاستيراد والتصدير التي حدّت من قدرتها على التعاقد مع مزودي الخدمات، ونقص البيانات والتحليلات حول انتقال الفيروس، وتأخير تسليم الإمدادات الطبية الأساسية.

وكان للإغلاق الشامل لكافة أنحاء البلاد أكبر تأثير سلبي على قطاعات السياحة، والتجارة، والنقل التي تتضمن أكثر من ربع الوظائف في البلاد. وقد أدى ذلك إلى خسارة كثير من العمال دخلهم، خاصةً عمال المياومة وغيرهم من العمال غير الرسميين الذين يعد كثير منهم من اللاجئين وطالبي اللجوء.

التنسيق والإدارة

شكلت وزارة الصحة التونسية لجنة مراقبة وطنية في أبريل، لإدارة ومراقبة إجراءات الوقاية والاستجابة لتفشي فيروس كورونا. حيث ضمت اللجنة 11 ممثلاً من الهيئات والنقابات الحكومية، بما في ذلك وزارة الصحة ووزارة المالية. مع ذلك، لم يتم تحديد أدوار واضحة ولم يتم وضع خطة متابعة.

وعلى الرغم من دور المرصد الوطني للأمراض الجديدة والناشئة، كان هناك نقص في التنسيق بين الوزارات المختلفة، فكانت تعمل الوزارات بشكلٍ منفصل وكان لا يوجد نظام معلومات خاص بالطوارئ. بالإضافة إلى ذلك، كانت تصدر الهيئات الحكومية أوامر متناقضة، ما أدى إلى ارتباك الرأي العام بشكلٍ كبير.

على سبيل المثال، طُلب من آلاف الأشخاص الذهاب إلى مكاتب البريد لتقديم طلب للحصول على مساعدات مالية، على الرغم من الإعلان في وقتٍ سابق عن فرض حظر تجول وإجراءات التباعد الاجتماعي.

كان من الممكن أن تسمح خطة الاستعداد والاستجابة المبكرة باحتواء شامل أفضل لوباء كورونا وإدارة الأزمة الاقتصادية في تونس 

- رشا كالوتي، باحثة في سياسات الصحة في إمباكت الدولية 

وتم الإعلان عن برنامج المساعدة المالية في يوليو لدعم الشركات المحلية والعاطلين عن العمل على مدار تسعة أشهر (يوليو 2020 - مارس 2021). كان التأخير في بدء البرنامج على الأرجح نتيجة الخلافات الداخلية في الحكومة. فعلى سبيل المثال، كانت هناك توترات داخل فريق مستشاري الرئيس، مما أدى إلى استقالة مستشار الأمن القومي، وأعقب ذلك قرار رئيس الوزراء ذاته بالتنحي في 15 يوليو، مما أدى إلى فوضى عارمة في البلاد.

أخيرًا، كان هناك تنسيق ضعيف بين القطاعين العام والخاص، فيُمنح القطاع الخاص دورًا ضئيلًا في الاستجابة للوباء، بالرغم من هيمنته على المرافق الصحية. وقد أدى هذا التنسيق الضعيف إلى عدم كفاية الإمدادات من الكمامات والأدوية.

خاتمة

تواجه تونس تحدياتٍ سياسية واقتصادية غير مسبوقة، وقد أدت جائحة كورونا إلى تفاقمها. سنّت الحكومة التونسية إجراءات وقائية صارمة، نجحت في البداية في منع تفشي الجائحة على نطاقٍ أوسع، لكنه كان من الممكن أن تسمح خطة الاستعداد والاستجابة المبكرة باحتواء شامل أفضل للوباء وإدارة الأزمة الاقتصادية.

إن التنسيق الأكثر فعالية بين مختلف الجهات الفاعلة، بما في ذلك مختلف الوزارات، والبلديات، والقطاع الخاص، أمرٌ غاية في الضرورة لمكافحة الوباء وحل الأزمة المالية في تونس. كما يجب تنسيق القوانين والسياسات ومشاركتها بوضوح مع الجمهور، إلى جانب الحاجة لنظامٍ متماسك وشفاف لحل النزاعات السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، يجب حماية الفئات الضعيفة بمن في ذلك اللاجئون وطالبو اللجوء، وإعطاء الأولوية لهم أثناء الأزمات. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تسهيل تقديم مفوضية شؤون اللاجئين للخدمات والإمدادات والأدوية الأساسية. أخيرًا، يجب تبني نهج يحترم حقوق الإنسان، مع وقف فوري للإجراءات القمعية والتدخلية مثل الوصول غير المقيد إلى المعلومات الشخصية للمواطنين.

ذات علاقة

من غزة للعالم... كيف تبدو الحياة تحت الحجر؟

في بقعةٍ صغيرةٍ من الأرض، يقبع نحو مليوني ساكن تحت الحجر السياسي منذ ما يزيد عن 13 عامًا. نعم، إنه قطاع غزة!

"جُلَّ ما نريده هو ألا نموت في هذه الصحراء": عمال نيباليون عالقون في...

في ظل احتجاجات ينظمها العمال النيباليون العاملون في شركة بترول "خدمات ألتراد" في أبو ظبي، تواصلت إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان مع الشركة وطالبتها بت...

تصعيد فيسبوك إغلاق حسابات في دول بعينها إفشال مبكر لمجلسها الرقابي

فيسبوك تتجه لتغليب سياسات التضييق على حرية التعبير بعد أن حققت مكاسب اقتصادية هائلة على مدار سنوات الإقبال الواسع على منصتها