"بحر من البلاستيك": استغلال العمال المهاجرين في إسبانيا لملء رفوف أوروبا بالمنتجات الزراعية

يعيش في إسبانيا ما يقرب من ستة ملايين مهاجرًا، وهو ما يجعلها سادس أكثر الدول الأوروبية التي يقصدها المهاجرون. لكن ذلك كان يصحبه في أغلب الأحيان عدم مساواة، وبطالة، وفقر، واستغلال على نطاق واسع من قِبَل أرباب العمل المحليين للفئات المستضعفة من المهاجرين. بالإضافة إلى ذلك، يُحرم المهاجرون الذين يعملون في المزارع الإسبانية من الحد الأدنى للأجور، ويُرغمون على العمل في ظروفٍ غير صحية، ويُهدّدون بالفصل من العمل إذا ما اعترضوا أو تحدثوا عما يحدث لهم.

 

الدفيئات الزراعية في مقاطعة ألميريا 

تنتج مقاطعة ألميريا نحو 3.5 مليون طنًا من الفاكهة والخضروات سنويًا في مساحة تُقدَّر بـ 78,000 فدّانًا باستخدام الدفيئات الزراعية. لكن ذلك يأتي غالبًا على حساب تضحيات بشرية هائلة، فقد أُجبر العمال في المنطقة الجنوبية لمقاطعة ألميريا لعدة سنوات على العمل في ظروفٍ قاسية، لكنهم اختاروا الصمت خوفًا من فقدان مصدر رزقهم. 

إذا لم نلتقط ما يكفي من الفاكهة يوميًا، فإننا نُحرم من الاستراحة أو حتى الذهاب إلى المرحاض. نعمل لأسابيع ولكن لا يتم دفع أجرنا إلا لبضعة أيام

- إحدى السيدات العاملات في مزارع الفراولة بإسبانيا

غالبًا ما يشار إلى هذه المنطقة باسم "بحر البلاستيك العملاق" بسبب حقولها التي تمتلئ بالدفيئات الزراعية. وتقع المزارع الصغيرة المملوكة للأفراد إلى جانب تلك التي تديرها الشركات متعددة الجنسية، حيث يتم شحن ما تنتجه من فواكه وخضروات على الفور لملء صناديق الإنتاج في المتاجر الكبرى في أوروبا، مثل تيسكو، وويتروز. 

في هذه الحقول، لا تعكس كشوف مرتبات العمال في أغلب الأحيان العدد الفعلي لساعات العمل، لذلك فهي تخفي حقيقة أنهم يتلقون أقل من الحد الأدنى للأجور حسب القانون. وقال بعض العمال إنه "إن لم تعمل مثل العبد، فستخسر قوت يومك"، وعند مواجهة أرباب العمل بهذا، عادةً ما يجيبون بأن العمال لم يُجبَروا على قبول الوظيفة.

تعد أحد المزارع الإسبانية المملوكة لشركة جودوي (GODOY) من ضمن المزارع التي تجري تعديلات على الوثائق التي تتضمن أجور العاملين وساعات عملهم. ورغم أن الشركة تنخرط في العديد من الممارسات غير القانونية التي تنتهك حقوق العمال الوطنية، إلا أنها تزود المحال التجارية البريطانية الكبرى مثل آلدي وسينسبري بالخضروات، وخصوصًا الفلفل الذي يحظى بشعبيةٍ خاصة، وفقًا لاتحاد عمالي زراعي محلي في مقاطعة ألميريا. 

على سبيل المثال، يبلغ الحد الأدنى القانوني للأجور 6.90 يورو للساعة. مع ذلك، يحصل العمال على 5.33 يورو فقط. كما يتعرض العمال لظروف عملٍ غير صحية، مثل إجبارهم على قضاء ساعات طويلة في الحرارة الشديدة في الدفيئات الزراعية، واستنشاق المواد الكيميائية التي تحويها الأسمدة والتي قد تتسبب في إتلاف أنظمتهم التنفسية.

وعادةً ما يُنتهك حق العمال في التفاوض الجماعي عبر نقابةٍ موحدة. ففي عام 2019، نظّم العمال المهاجرون، وكان أغلبهم من دول وسط وشمال إفريقيا، إضرابًا للاحتجاج على معاملتهم غير العادلة في العمل. وردًا على ذلك، طردتشركة جودوي ثمانية عمال بعقودٍ دائمة دون أي سابق إنذار. وبالتالي، عاش بقية العمال في خوفٍ دائم من ممارسة حقوقهم في التفاوض فيما يخص ظروف عملهم. وواجهت النقابة شركة جودوي بسبب إساءة معاملتها للعمال المشاركين في الإضرابات، لكن مسؤوليها أنكروا جميعهم تلك الاتهامات.

صعوبات يومية 

تهدد ظروف المعيشة رفاهية العمال المهاجرين، فهم يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور، بالتالي لا يستطيعون الحصول على ما يكفيهم من الغذاء، مما يسبب أو -على أقل تقدير- يساهم في تعرضهم لمشاكل صحية. بالإضافة إلى ذلك، لا يتمكن العمال من الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، أو ضمان الأمن في الأحياء التي يضطرون للعيش فيها.

فيعيش العمال في ملاجئ شديدة الاكتظاظ تشبه مخيمات اللاجئين أو العشوائيات؛ لا تتوفر فيها المياه النظيفة، أو الكهرباء، أو الصرف الصحي. كما لا يدخل أصحاب العمل تحسينات على الظروف المعيشية للعمال خلال سنوات عملهم، ولكن لا خيار أمام العمال سوى العيش في هذه الظروف المجحفة.

وتُصنع ملاجئ العمال المهاجرين من بقايا الخشب والبلاستيك. فنظرًا لسوء مواد البناء، سرعان ما تتضرر بفعل الأحوال الجوية السيئة، والحرائق، وحتى هطول الأمطار الطفيف. ولأن الكهرباء غير متوفرة باستمرار، يضطر العمال إلى التعامل مع اسطوانات الغاز والنيران المكشوفة، وكلاهما غاية في الخطورة. ففي شهر فبراير من عام 2019، اندلع حريق من أحد اسطوانات غاز الطبخ، مما أدى إلى تدمير جزء كبير من الملجأ، تاركًا ما يزيد عن 120 عاملاً بلا مأوى.

ونظرًا لأن المنطقة تعد بوابة إلى أوروبا لمعظم المهاجرين الذين يصلون من أفريقيا، يصبح لدى أصحاب العمل مجموعة جاهزة من العمال لاستغلالها، فيصل حوالي 400 قارب إلى المنطقة سنويًا، يحمل ما مجموعه 12,000 مهاجرًا. 

وبحسب السلطات المحلية في مقاطعة ألميريا، يبقى أكثر من 30٪ من العمال المهاجرين غير موثقين، وهذا ما يدفع أصحاب العمل لرفض إبرام عقود عمل رسمية معهم. كما لا يستطيع العمال المهاجرون غير الموثقين حتى السفر إلى أوطانهم للاجتماع بأهلهم، فيبقون مهجورين في بلدٍ أجنبي. وإذا لم يحمل العمال المهاجرون أية أوراق ثبوتية، أو حاولوا استخدام هوية أي شخص آخر، أو لم يكن لديهم دليل على العمل، فغالبًا ما يتم احتجازهم من قِبَل السلطات المحلية لإنفاذ القانون. وبسبب عدم فهمهم للنظام القانوني في أوطانهم الجديدة، وعدم امتلاكهم الأموال اللازمة، لا يتمكن المهاجرون من الحصول على أية مساعدة قانونية.

ثمن الفراولة: اعتداء جنسي في حقول مدينة هيوليفا

تنتج مدينة هويلفا الإسبانية حوالي 95٪ من محصول الفراولة في إسبانيا، والذي يتم إرسال معظمه مباشرةً إلى المحال التجارية الأوروبية الكبرى. يأتي جزء كبير من النجاح الاقتصادي للمنطقة على حساب العمال المهاجرين. 

وتأتي معظم النساء العاملات في مزارع الفراولة من المغرب، تتجرأ بعضهن على الحديث عن ظروف العمل السيئة التي يعشنها في حقول الفراولة برفع دعاوي قضائية حول الاتجار بالبشر، والتحرش والاعتداء الجنسي، والاغتصاب. وتشيع عمليات الإجهاض كذلك بين العاملات المهاجرات في هذه المنطقة. ومع ذلك، تصمت معظم النساء خوفًا من رد فعل الأسرة والأصدقاء، فقد طلّق البعض زوجاتهم بسبب "العار" الذي جلبنه لأسرهن.

وغالبًا ما يُلقى اللوم على العديد من النساء القادمات من عائلاتٍ محافظة عند التحدث عن تعرضهن للاعتداء الجنسي؛ فقد يتبرّأ الآباء من بناتهم أحيانًا، مما يؤدي إلى تعرضهنّ لمشاكل نفسية واجتماعية شديدة، ونوبات هلع، وحرمانهن من أي دعم أو مساعدة.

وقالت إحدى السيدات اللاتي عملن في مزارع الفراولة تلك: "عُرضَت علينا مقاطع فيديو لمنازل جميلة ... ولكن عندما وصلنا، جئنا إلى مكانٍ قذر ومزدحم. قالت إحدى السيدات، إن صاحب المزرعة لا يعرف سوى عبارة واحدة باللغة العربية: "اعملي أيتها العاهرة أو سيتم إعادتك إلى المغرب"، وأضافت أنهن "إذا لم يلتقطن ما يكفي من الفاكهة يوميًا، فإنهنّ يُحرمن من الاستراحة أو حتى الذهاب إلى المرحاض. لقد عملن لأسابيع ولكن لم يتم دفع أجرهن إلا لبضعة أيام، مما يجعلهن يشعرن بأنهن عبيد أو بغايا."

وقالت إحدى الأمهات: "قيل لنا أننا سنُعامل بشكل مهني... ولكن عندما وصلنا إلى إسبانيا، جعلونا نشعر كالدواب." كما أفادت عاملةً أخرى بأنها عندما اشتكت هي وزملاؤها وطالبوا بالمبلغ المتفق عليه مسبقًا، وصلت حافلات إلى ملاجئهم وأعادتهم إلى المغرب. وعندما عادوا إلى أوطانهم، كانت الديون غير المسددة في انتظارهم بفعل ما أنفقوه للحصول على التأشيرات للقدوم إلى إسبانيا، فانتهى بهم الأمر في أزمة مالية أكبر ووضع أصعب مما كانوا عليه قبل مغادرتهم وطنهم.

ولم يتم إجراء أية تحقيقات رسمية في هذه الانتهاكات من قِبَل السلطات الإسبانية، التي ما تزال تغض الطرف عن الاستغلال الجاري للعمال المهاجرين، وترفض كافة هذه المزاعم.

 

التوصيات 

تدعو إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان: 

*مزارعي الخضراوات والفواكه الإسبان لإعادة تقييم سياساتهم والامتثال لالتزامات العمل التي تفرضها الدولة، بالإضافة إلى ضمان حق العمال في الحريات مثل حرية التجمع عبر النقابات العمالية، وحرية التعبير.

*السلطات الإسبانية للتحقيق في ادعاءات الاعتداء الجنسي والاستغلال في العمل، وضمان معالجة أي أخطاء مثبتة. 

*إلى وضع بروتوكول خاص بالمجال الصناعي لضمان اتباع أرباب العمل أخلاقيات العمل المطلوبة.

*إلى مراجعة وإنفاذ قوانين العمل في إسبانيا

 

ذات علاقة

لماذا وكيف يجب على المؤسسات احترام حقوق الإنسان في تنفيذ عملياتها؟

في ظل ما يشهده العالم اليوم من تنصل الحكومات من مسؤوليتها في حماية حقوق الإنسان بل ومشاركتها أحيانًا في انتهاك هذه الحقوق، يأتي دور المؤسسات في سد هذه الث...

فضيحة "انقلاب القرن الاستخباري" تتطلب إجراءات تشريعية أكثر فاعلية لمن...

ممارسات الشركة على مدار عقود تعكس ضعفًا حقيقيًا في الدور الذي تلعبه الأجهزة التشريعية حول العالم في إجبار الشركات الخاصة والعامة على احترام خصوصيات الأفرا...

قهوة بطعم العبودية: ستاربكس ونسبريسو متورطتان في استغلال الأطفال

ستاربكس تلتحق بشركات شوكولاتة شهيرة تتجاهل تتبع سلسلة التوريد بحثا عن المال فقط