الحق في الحصول على المعلومات وإفشاء سر المريض في ظل تفشي جائحة كورونا

أمام التسارع الرهيب لتفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في جميع أرجاء العالم، بزيادة كبيرة في أعداد الضحايا والمصابين، وجدت غالبية الدول نفسها أمام واقع جديد، يتطلب تجنيد أموال هائلة، وفرض قوانين وقرارات جديدة؛ في إطار مجابهة والحد من انتشار الفيروس سريع العدوى.

ولجأت أغلب الدول والحكومات، إلى فرض حالة الطوارئ، وفرضت قيود مختلفة؛ لتمكينها من العمل بسرعة وحزم للحد من انتشار وتأثير الوباء؛ رغم ما يتخلل هذا الإجراء من انتهاكات لجملة من الحقوق الأساسية، التي يجري التضحية بها؛ من أجل الاهتمام الأكبر بالحقوق الأساسية وفي المقدمة منها الحق في الحياة والصحة والسلامة البدنية.

ومنذ إعلان فيروس المستجد يوم 7 يناير 2020، على أنه الفيروس المسبب لحالات الالتهاب الرئوي لمرض غير معروف اكتشف في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي الصينية، في 31 ديسمبر من عام 2019، وتسارع وتيرة الإصابات به في العالم، حتى صنف من منظمة الصحة العالمية كوباء ومن ثم كجائحة، بات موضع الاهتمام الأول في العالم، سواءً على صعيد الخطط الحكومية أو اهتمام وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

هذه الوضع الاستثنائي الغير مسبوقة في العالم منذ عقود، فرض حالة من الإرباك حول مستويات الحق في الحصول على المعلومات، وفي الوقت ذاته، الحدود القانونية والأخلاقية للتعامل مع خصوصية المرضى وما يعرف بسر المريض؛ الذي تم خرق خصوصيته بلا هوادة في الكثير من البلدان؛ تحت ذريعة الحماية العامة.

ومن المؤكد، أنه أمام الانتشار السريع للجائحة؛ فإن توفير المعلومات الصحيحة، يشكل عاملًا أساسيًا للأفراد والمجتمعات المحلية لاتخاذ قرارات حول كيفية حماية أنفسهم والحصول على الضروريات والخدمات أثناء الحجر الصحي والعزل الذاتي والتباعد الاجتماعي.

ومن هنا تأتي ضرورة أن تقدم السلطات الحكومية في الوقت المناسب معلومات صحيحة ودقيقة حول المرض وطرق الوقاية والخدمات وآليات المساعد، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية احترام خصوصية المعلومات الشخصية للمصابين وعائلاتهم.

 

 الحق في الحصول على المعلومة

حق الأفراد في الحصول على المعلومة هو أحد الحقوق التي تندرج ضمن الحقوق المدنية والسياسية، التي كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19. ويعد ضمان الحق في المعلومات مسألة حيوية وحاسمة للجماعات والأفراد لاتخاذ قرارات مستنيرة، للمشاركة في الحياة الديمقراطية، لرصد الإجراءات العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وهو يمثل أداة قوية لمكافحة الفساد. وهو أحد الحقوق التي تعكس شفافية الدول والحكومات ووضوحها مع شعوبها والعالم.

وفي كثير من الدول، تكاد تغيب القوانين المنظمة للحق في الحصول على المعلومات، وإذا وجدت فإنها مليئة بالقيود، التي تمس أيضًا حرية العمل الصحي والرأي والتعبير؛ تحت ذرائع الأمن العام والمصلحة والأخلاق العامة، وهي مصطلحات فضفاضة متعددة التفسير.

ويعد الوصول للمعلومات أحد متطلبات الحق في الصحة، الذي يشتمل على أربعة عناصر هي: 

مع أهمية المعلومات عن المصابين في إطار عملية منع تفشي الفيروس، فإن المسؤولية هنا تكمن على السلطات الحكومية في الموازنة بين خصوصية المريض وعدم انتهاك حقوقه، وبين الآليات اللازمة لحماية المجتمع من نشر العدوى.

1) التوافر: القدر الكافي من المرافق الصحية العمومية ومرافق الرعاية الصحية والسلع والخدمات والبرامج.

2) إمكانية الوصول: استفادة الجميع من فرص الوصول إلى المرافق والسلع والخدمات الصحية، ضمن نطاق الولاية القضائية للدولة الطرف. وتتسم إمكانية الوصول بأربعة أبعاد هي: عدم التمييز، وإمكانية الوصول المادي، والإمكانية الاقتصادية للوصول (القدرة على تحمّل النفقات)، وإمكانية الحصول على المعلومات.

3)المقبولية: يجب أن تحترم جميع المرافق والسلع والخدمات الأخلاق الطبية وأن تكون مناسبة ثقافياً وأن تراعي متطلبات الجنسين ودورة الحياة.

4)الجودة: يجب أن تكون المرافق والسلع والخدمات الصحية مناسبة علمياً وطبياً وذات نوعية جيدة.

وفي ظل انتشار فيروس كورونا، تفاوتت اتجاهات دول العالم في إتاحة المعلومات حول تفشي الفيروس وآليات مواجهته، بين الإفصاح بشفافية عن واقع الإصابات، وبين الإنكار أو تخفيف الحالة، أو الإفصاح التدريجي عن الحالات.

وفي هذا الإطار جاء اتهام منظمة الصحة العالمية دولًا في الشرق الأوسط، بعدم إبلاغها بمعلومات كافية عن الإصابات بفيروس كورونا (كوفيد-19) على أراضيها. وتناولت بعض التقارير الإعلامية في دول عربية وغربية تقارير تتحدث عن انتشار فيروس كورونا في مصر، في الوقت الذي تمارس فيه السلطات نوعًا من التعتيم الإعلامي، كما وُجهت اتهامات مماثلة للعديد من الدول الأخرى.

ومن المهم الإشارة إلى أن قوانين الطوارئ المعلنة، تخول السلطات الحكومية، تحديد آلية الإفصاح عن المعلومات في التوقيت المناسب؛ لضمان عدم إحداث حالة الذعر والهلع وفق مقتضيات المصلحة العامة.

 

أبرز الإشكالات المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومات التي رافقت انتشار فيروس كورونا

  • عدم وجود وضوح وشفافية في إعلان حجم انتشار الفيروس، ومن أمثلة ذلك ما حدث في مصر، حيث أنكرت السلطات المصرية في البداية وقوع إصابات، في حين كانت الدول تعلن تسجيل إصابات للقادمين من مصر، قبل أن تبدأ لاحقًا بالإعلان عن وجود إصابات، وسط تقديرات بأنها لا تعكس الواقع.
  • عدم إتاحة المعلومات بلغات مختلفة، وعبر مواقع إلكترونية مخصصة للغرض.
  • عدم توفير معلومات عن المرض وسبل الوقاية منه بإستراتيجيات تواصل تناسب ذوي الإعاقة سواء فاقدي البصر أو الصم وبالبكم.
  • غياب المرجعية الواحدة لإعلان حجم الإصابات والمعلومات المتوفرة عن المرض وتضاربها أحيانا.
  • عدم تقديم معلومات ملائمة بما يعرقل إجراءات الوقاية المطلوبة من انتشار العدوى.
  • تقديم معلومات تشكل مساسًا بخصوصية بعض المرضى في بعض الحالات.
  • حالة من الفوضى والإشاعات على منصات التواصل الاجتماعي، حول المرضى وأسمائهم ونتائج الفحوصات.

 

السياسات المطلوبة لتقديم المعلومات الصحيحة حول فيروس كورونا المستجد

  • ضرورة اعتماد مبدأ الشفافية والوضوح في نشر المعلومات الموثوقة.
  • إطلاق مواقع إلكترونية وصفحات متخصصة حول جائحة كورونا وتوفير مادة إعلامية وتوعوية تناسب ذوي الإعاقة.
  • إتاحة أرقام هواتف ومنابر إعلامية ومتحدين لتقديم المعلومات الصحية للمواطنين ووسائل الإعلام.
  • عقد مؤتمرات صحفية دورية لتوضيح المستجدات.
  • توحيد المرجعيات المتحدثة عن المرض لضمان عدم إرباك الجمهور بمعلومات متضاربة.
  • تقديم تقارير دورية بحالة المرض وانتشاره في توقيتات مناسبة بعيدا عن حالة التوتر التي تسببها الفوضى على منصات التواصل الاجتماعي.
  • التأكيد على أهمية حرية الرأي والتعبير، هناك حاجة لضبط الانفلات والفوضى على منصات الاجتماعي خاصة منه ما يتعلق بإشاعات ومعلومات مغلوطة وانتهاك خصوصية المواطنين المشتبه بإصابتهم.

 

إفشاء سر المريض المصاب بفيروس كورونا

يمثل سر المريض، أو السر الطبي، أحد المفاهيم المتداولة في عالم الصحة. والسر الطبي لا يقتصر على المعلومات الخاصة بنوع المرض أو الإصابة التي يعاني منها المريض أو العلاج، إنما يشتمل على كل ما يتصل بالعمل الطبي من فحص وتشخيص، كإجراء التشخيص بالأشعة وغيرها. والسر الطبي هو جزء من الأمور التي يقسم الطبيب عند أدائه قسم المهنة على الحفاظ عليها وعدم إشاعتها.

وجميع القوانين تجرم إفشاء سر المريض، وإن كانت تختلف في حدود دوافع ذلك. كما أن هناك أطر قانونية واسعة حول موضوع سر المريض وإفشائه.

ومع أهمية المعلومات عن المصابين في إطار عملية منع تفشي الفيروس، فإن المسؤولية هنا تكمن على السلطات الحكومية في الموازنة بين خصوصية المريض وعدم انتهاك حقوقه، وبين الآليات اللازمة لحماية المجتمع من نشر العدوى.

 

أبرز الانتهاكات المتعلقة بإفشاء سر المريض خلال أزمة كورونا

  • نشر أسماء مصابين أو مشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا، وفي بعض الحالات قبل إبلاغ المصابين رسميًا.
  • أغلب النشر في دول العالم العربي على وجه التحديد يجري بشكل غير رسمي، من خلال تسريبات عاملين في المجال الصحي أو الأمني أو الإداري ضمن ملف الطوارئ المتعلق بمكافحة كورونا.
  • نشر صور المرضى المصابين، أحيانًا دون إذنهم، وفي بعض الحالات وهم في حالة صحية ووضعيات غير مناسبة، ما يؤثر عليهم وعلى ذويهم.
  • اختراق خصوصية المرضى، بنشر تفصيلات عن تحركاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
  • السماح بترصد وتتبع حركة علاقات المصابين أو المشتبه بإصابتهم، كما حدث في إسرائيل، عبر تمكين جهاز الشاباك الإسرائيلي بتتبع المصابين في انتهاك للخصوصية.
  • نشر أسماء المصابين فتح المجال لحالات من التنمر وبث الكراهية، والتمييز، والممارسات العدوانية ضد بعض المصابين وذويهم في الكثير من المجتمعات.

 

السياسات الواجب اتباعها فيما يتعلق بسر المصاب بفيروس كورونا

  • عدم نشر أسماء وصور المصابين دون موافقتهم المسبقة والأكيدة.
  • تجنب نشر أسماء وصور المصابين من الأطفال القصر.
  • تتحمل السلطات الحكومية مسؤولية أخذ المعلومات اللازمة من المصابين حول الأماكن والأشخاص الذين خالطوهم بعد الإصابة المحتملة؛ والوصول إليهم؛ لضمان فحصهم وعزلهم، لمنع انتشار العدوى.
  • في حال كان الأمر يتعلق بتجمعات كبيرة؛ اتخاذ إجراءات وخطوات للوصول إلى هذه التجمعات في أماكنها؛ لضمان التأكد من سلامة المواطنين ومنع العدوى بالفيروس.
  • منع الأفراد وغير جهات الاختصاص من تداول أي معلومات وصور تتعلق بالمصابين أو المشتبه بإصابتهم تحت طائلة القانون.

ذات علاقة

تعطيل صفقة بيع ORG. حماية لموروث المجتمع المدني عبر الإنترنت

الصفقة كانت تهدد بفتح المجال واسعًا للاستغلال والتحكم، والرقابة، والوصول إلى بيانات المستخدمين

دراسة جديدة: شركات تزويد الإنترنت في الأردن تنتهك خصوصية عملائها

كشفت دراسة جديدة نشرتها إمباكت الدولية ومنظمة آكسس ناو عن انتهاك شركات تزويد الإنترنت الكبرى في الأردن لخصوصية عملائها بشكلٍ كبير، بما يسمح لها بمراقبة اس...

إمباكت الدولية ترحب بإعلان فيسبوك تشكيل مجلس رقابي مستقل وتدعوه لفحص...

برزت أهمية الخطوة في ظل ردود فيسبوك الضعيفة على خطاب الكراهية، وحملات التضليل، ومحاولات التحريض على العنف من خلال المنصة، فضلًا عن تأثير بعض الحكومات على...