في ظل فوضى فيروس كورونا.. العالم ينسى اللاجئين والمشردين والمعتقلين

لارا حميدي
باحثة في إمباكت الدولية

مع تفشي فيروس كورونا المستجد في أكثر من 200 دولة وإقليم حول العالم، تتزاحم الحكومات في اتباع إجراءات صارمة -لأسبابٍ مفهومة في معظم الأحيان- لاحتواء آثار الجائحة والحد من تفشيها والتسبب بخسائر في مزيد من المجالات.

مع ذلك، وبغض النظر عن مقدار الضغط الواقع على الحكومات ومدى عدم اليقين الذي ما يزال قائمًا مع تفشّي الوباء، فإنه من واجب الحكومات الذي لا نقاش فيه توفير الأمن وتقديم التوجيه للسكان جميعهم، بمن فيهم الفئات الأكثر تهميشًا. وبينما يُوفر الدعم الاقتصادي للشركات والعاطلين عن العمل، فإنه عادةً ما يتم تجاهل ثلاثة فئات أخرى وهم: اللاجئون، والعمال غير الموثقين، والمشردون، والسجناء.

اللاجئون وغير الموثقين: لا مجال لرهاب الأجانب

يُقدَّر عدد النازحين قسرًا بسبب الاضطهاد أو الصراعات أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان بنحو 66 مليون شخصًا حول العالم، بعضهم -وهو ما يُقدَّر بالملايين- يبقون غير موثّقين ويعيشون في ظروفٍ محفوفة بالمخاطر بسبب عدم وجود صفةٍ رسميةٍ لهم، ما يجعل مهمة رصد عددهم بدقة مستحيلة. في كثيرٍ من الأحيان، يعيش هؤلاء في مناطق مزدحمة جدًا، وليس بغير المألوف أنها غير صحية، مع محدودية وصولهم للرعاية الصحية الكافية. 

خطر وفاة المشردين بفيروس كوفيد-19 يبقى أكثر بعشر مرات منه لأولئك الذين يتوفر لهم المأوى والدخل الثابت أو المريح.

على سبيل المثال، في لبنان، يعيش ما يقرب من مليوني لاجئ فلسطيني وسوري –يقطن كثير منهم في مخيمات شبيهة بالعشوائيات- وغالبًا ما يتشارك ستة إلى عشرة أشخاص مكانًا ضيقًا واحدًا؛ الأمر الذي يجعل التباعد الاجتماعي والعزل أشبه بالمستحيل. علاوة على ذلك، فإن نوعية المياه رديئة، في الوقت الذي لا تتوفر فيه تقريبًا معالجة للنفايات، وغالبًا ما يكون الوصول للرعاية الصحية صعبًا للغاية. لذلك، فإن تفشي الوباء في مخيمات اللاجئين، كما هو الحال في وادي البقاع في لبنان، من شأنه أن يسبب ضغطًا كبيرًا على النظام الصحي الضعيف، بالإضافة إلى وجود خطر انتشار الفيروس في المجتمعات المحيطة.

الجزر اليونانية كذلك تعد معرضة لكارثة محققة في حال تفشى الفيروس فيها، فهي تعد موطنًا لما يقدر بنحو 37,000 لاجئًا ومهاجرًا يعيشون في مرافق كان من المفترض أن تأوي ما لا يزيد عن 6,000 شخص فقط. تعاني هذه المخيمات من محدودية توفّر المياه والمرافق الصحية والطعام، كما أن الرعاية الطبية المتوفرة فيها ضئيلة وهشة وتشمل الأساسيات فقط.

إهمال الفئات الهشة في أية استراتيجية لمكافحة فيروس كورونا يعد أمرًا غير أخلاقي، ويُعرِّض الجميع للخطر كون الفيروس لا يأخذ بعين الاعتبار مستويات الدخل أو الوضع القانوني للأشخاص.

وبالتالي، فإنه من المهم وضع السياسات الحالية المتعلقة بهذه الفئات جانبًا بشكلٍ مؤقت، لتتحمل الحكومات مسؤولياتها المتعلقة بحمايتهم مع وضع الأحكام والعقوبات جانبًا حتى انتهاء الأزمة. يتطلب ذلك توفير الفحص المجاني لهم لتحديد حاملي الفايروس، والعلاج المجاني للمصابين منهم، وضمان حجر صحي آمن ومريح لأولئك الذين تثبت إصابتهم ولكن لا تظهر عليهم أعراض أو ممن يعانون من الفيروس بشكلٍ خفيف.

السكان المشردون

الحقيقة المؤسفة هي أن المواطنة لا تضمن الأمان. فكثير من المواطنين في كل من البلدان المتقدمة والنامية على حدٍ سواء لا يملكون مصدرًا ثابتًا للدخل، وبالتالي ليس لديهم مأوى، فيبقون في الشوارع أو الملاجئ المؤقتة. يعني ذلك أنهم غالبًا ما يعيشون في ظروفٍ غير صحية، ولا يحصلون على الرعاية الصحية اللازمة، في الوقت الذي يعاني كثير منهم أمراضًا مزمنة تجعلهم أكثر عرضة لخطر الإصابة بالفيروس.

على سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة وحدها تحوي حوالي 4 ملايين مشرد في الشوارع والملاجئ.

وعلى عكس بقية السكان، يُعد المشردون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب بست مرات، وأكثر عرضة للإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن بعشرة مرات، وأكثر عرضة للإصابة بالربو بمرتين ونصف. كذلك، فإن خطر وفاة المشردين بفيروس كوفيد-19 يبقى أكثر بعشر مرات منه لأولئك الذين يتوفر لهم المأوى والدخل الثابت أو المريح

إلى جانب ذلك، غالبًا ما لا يتمكن هؤلاء من متابعة الأخبار أو التواصل عبر الإنترنت، وبالتالي لا يتم توعيتهم بكيفية حماية أنفسهم والآخرين من فيروس كورونا المستجد.

لذلك، تبقى هناك حاجة ملحة إلى تنفيذ حملة توعوية واسعة النطاق في كافة الدول، بحيث تُنفذ كذلك ميدانيًا من خلال إرسال فرق إلى المشردين في أماكن تواجدهم وبتثقيفهم بشأن الفيروس وتدابير الحماية منه. إلى جانب ذلك، من المهم إجراء اختبارات مجانية وسريعة للتحقق من عدم إصابتهم، وتوفّر العلاج المجاني للمصابين منهم، ونقل الأشخاص الذين تثبت إصابتهم دون حاجة إلى رعاية المستشفى إلى مرافقٍ آمنة ومريحة للحجر الصحي، بالإضافة للحاجة إلى التدخلات الأساسية الأخرى مثل علاج الإدمان.

تعتبر باريس أحد الأمثلة على ذلك، حيث فتحت الحكومة مراكز للعزل الذاتي تحوي مئات من الأسرّة لتلبية احتياجات المشردين الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس ولكنهم لا يحتاجون إلى رعاية عاجلة في وحدة العناية المركزة بالمستشفيات.

المعتقلون في السجون

إحدى الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس كذلك هم المعتقلون في السجون وأماكن الاحتجاز، خاصة معتقلي الرأي في العالم العربي، حيث يعيشون في اكتظاظٍ شديد يفتقر إلى أساسيات النظافة والرعاية الصحية، ويعاني العديد منهم من مشاكل صحية مزمنة. في الواقع، بينما يوصي الخبراء باستخدام معقم يحتوي على أكثر من 70٪ من الكحول لتطهير الأسطح، لا يُسمح باستخدام أية مواد تحتوي على الكحول في معظم السجون.

إذا لم تكن الإنسانية كافية لتبرير معاملة هؤلاء معاملةً كريمة وبرحمة، فيجب أن تكون سلامة العاملين في السجون وأماكن الاحتجاز والمحاكم (وعائلاتهم) مهمة. وعليه، لذلك، من المهم في مرحلة انتشار الوباء هذه الإفراج عن المعتقلين والسجناء الذين لا يشكلون خطرًا على المجتمع، وإبقائهم في الحبس المنزلي أو استخدام سوار الكاحل لتعقّبهم، كما يجب إجراء اختبارات طبية لأولئك ممن لا يزالون خلف القضبان ومعالجتهم وحجرهم إذا لزم الأمر.

كذلك، لتخفيف وطأة العزلة الشديدة التي تعم السجون ومراكز الاحتجاز والتي تفاقمت بسبب إيقاف الزيارات، يجب توفير المكالمات الهاتفية المجانية للمعتقلين مع أُسرهم.  

المسؤوليات المالية للحكومات

يتمثّل الدور الرئيس للحكومات في ضمان أمن شعوبها، وخاصةً في حالات الطوارئ. وبينما يعرض كوفيد-19 الحكومات لضغوطاتٍ مالية كبيرة؛ فقد حان الوقت لاستثمار أكبر قدر ممكن من الأموال لحماية قطاعي الصحة والاقتصاد من الانهيار.

تفشي الفيروس الجديد هو قبل كل شيء أزمةٌ صحية. مع ذلك، فإنه سيتطلب تعويضاتٍ ماليةً كبيرة سيُستَشعر ضررها لسنواتٍ عدة. فيجب منح البلدان الأقل نماءً، والتي لا تستطيع الإنفاق على أنظمة الرعاية الصحية الخاصة بها قروضًا بدون فوائد، كما يجب على الدول الأكثر تقدمًا من الناحية الاقتصادية أن تقف مع تلك الأقل قدرة على مكافحة الوباء لضمان وجود جبهة عالمية موحدة.

مع ظهور فيروس كوفيد-19 في ديسمبر الماضي، شهد العالم تراجعًا سريعًا في الأنشطة الاقتصادية، الأمر الذي دفع الحكومات للاستجابة بخصوص السياسة المالية العامة، مُحدِثةً زيادة كبيرة في الاقتراض العام. الاقتراض سيكون من بين أكبر التحديات التي ستستمر لفترة طويلة بعد اختفاء جائحة فيروس كورونا المستجد. ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، أوصى البرلمان بأن تزيد الحكومة أموال الطوارئ من 10.6 مليار إلى 266 مليار جنيهًا إسترلينيًا خلال العام المقبل. مع ذلك، فإن الاقتراض الكبير يبقى إلزاميًا لمنع النظم الصحية من الانهيار.

قال فلاديمير لينين ذات مرة: "ثمة عقود تمرّ من دون أن يحدث شيء، وهناك أسابيع تحدث فيها عقود".  اقتباس المُنظّر السياسي الروسي يتناسب للغاية للحالة التي تعيشها الحكومات منذ اندلاع الفيروس التاجي الجديد الذي بدأ في ووهان الصينية. إن العالم يتغير في غضون الساعة، فقد تغيرت البيئة المالية والسياسية والاجتماعية في جميع البلدان المتضررة بحيث أصبح من الصعب التعرف عليها.

المملكة المتحدة مثال على ذلك، فمن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 5٪ هذا العام بسبب الوباء، مما يضطر الحكومة لاستثمار 70 مليار جنيه إسترليني (أي ما يعادل 3.2٪ من الدخل القومي) في حسابات الاقتراض.

مع ذلك، فإن الحكومات موجودة لخدمة الشعب، وبالتالي يجب أن تتخذ خطوات لضمان رفاه سكانها، الأمر الذي يتطلب تعاونًا من كافة شرائح المجتمع.

ذات علاقة

إهمال شركتين إسبانيتين في المغرب يجعل عمالهما هدفًا سهلًا لكورونا

المصنعان مسؤولان عن اتخاذ إجراءات العناية الواجبة لحماية العاملين وتوفير الاحتياطات وسبل الوقاية اللازمة، مع مراعاة توفير الحماية للفئات الضعيفة على وجه ا...

تأثير القطاع الخاص في أوقات النزاعات والأزمات – سوريا واليمن كدراسة ح...

وقد أجريت العديد من الأبحاث حول دور القطاع الخاص في تعزيز وتطوير الاقتصاد العام والخاص، واتفق معظم الباحثين على أن خلق فرصٍ اقتصادية حيوية مهم للغاية في م...

دراسة جديدة: الكاجو لذيذ، لكنه يتطلب ثمنًا إنسانيًا

انتهاكات كبيرة تتخلل عملية إنتاج المكسرات في كلٍّ من الهند وفيتنام، بما يشمل العمالة القسرية واستغلال المدمنين والأطفال.