للمواقع الجغرافية تأثير: حين تفتتح شركات التواصل الاجتماعي مكاتبًا في دول قمعية، تُفرض الرقابة

تعمل اليوم الشركات متعددة الجنسيات على نطاق أوسع من أي وقتٍ مضى، وبشكلٍ يسمح لها بتخطي الحدود الدولية والوصول إلى فئاتها المستهدفة وشرائح مجتمعية مختلفة بشكلٍ غير مسبوق.

وفي الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول اليوم للانسحاب من التحالفات الإقليمية (كانسحاب المملكة المتحدة البريطانية من الاتحاد الأوروبي وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من المعاهدة متعددة الأطراف مع إيران) فهي تتجه إلى طرق أخرى في فرض سيادتها وتحقيق مصالحها الإقليمية والدولية المختلفة، من خلال فرض بعض السياسات على الشركات ذات النفوذ -وخاصة الشركات متعددة الجنسيات- مقابل السماح لها ببيع خدماتها لمواطنيها.

هذا الأمر بحد ذاته يشكل مخاطر جسيمة -مباشرة وغير مباشرة- على حقوق الإنسان وحريات الأفراد والجماعات المتعلقة بالفكر والتعبير والخصوصية على حدٍّ سواء. خاصةَ في الوقت الذي تجد فيه بعض الشركات التي تلقى رواجًا واسعًا على نطاقٍ عالمي، مثل شبكات التواصل الاجتماعي الضخمة، تجد نفسها مُجبرة على تنفيذ ما تمليه عليها بعض الحكومات لتضمن استمراريتها وبقاء نشاطها داخل حدود دولةٍ ما. فمما لا شك فيه، أن تعارض مصالح الحكومات والشركات، وعدم تنفيذ تلك الأخيرة أحيانًا السياسات التي تفرضها حكومات الدول التي تمتلك فيها الشركات شريحة واسعة من العملاء، يقودها في كثيرٍ من الأحيان إلى خسارة نشاطها في تلك الدول، وبالتالي فقدان أعداد كبيرة من العملاء وتحقيق خسارة كبيرة.

نداءٌ للعمل!

يحتاج العالم اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى لأن توقع كلٌّ من الحكومات وشركات الإعلام العالمية على المعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان. في الوقت ذاته، يجب أن تحرص الشركات التي يستخدمها المواطنون وسيلةً للتعبير وضخ خطاباتهم (كشركات التواصل الاجتماعي) على أن تتواجد مقراتها في دولٍ تُعرف حكوماتها بحمايتها حقوق الإنسان داخل وخارج حدودها، بل وتقاطع أية استثماراتٍ في دول ترفض حكوماتها الالتزام بمعايير حقوق الإنسان وترتكب انتهاكات جسيمة ضد مواطنيها داخل وخارج حدودها.

 

خلفية

نمت شركات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر لتصبح شركات عملاقة توظّف عشرات الآلاف من العاملين وتقدم خدماتها لملايين العملاء حول العالم. وللبقاء قريبين من عملائهما والمسوّقين الذين يعتبرون وقودًا لأعمالهما، فتحت كلتا الشركتان فروعًا لها في كافة قارات العالم تقريبًا.

على سبيل المثال، توظّف شركة فيسبوك أكثر من 35,000 شخص موزعين على 87 مقر لها في 35 دولة. بينما تعتبر شركة تويتر أصغر بقليل، حيث وصل عدد العاملين فيها حتى شهر أبريل 2019 إلى 4,100 موظفًا، يعملون في 33 فرعًا موزعين على 19 دولة.

وفي الوضع الطبيعي، تجذب شبكات المقرات هذه مزيدًا من الاستثمارات لتلك الشركات في كل دولة، كما تخلق فرصًا أكبر للعمل وتترك أثارًا اقتصادية وثقافية واجتماعية مختلفة.

من جهةٍ أخرى، تقود تلك الاستراتيجية الشركات لقوانين وممارسات مختلفة، بما في ذلك تلك التي تنتهك خصوصية المستخدمين أو تفرض قيودًا على حريات التعبير، أو تضع المعارضين تحت الرقابة وتسلب النشطاء حقهم في حرية الرأي والتعبير.

هذا التهديد الذي يواجهه المواطنون عادةً يزداد بشكلٍ ملحوظٍ في الدول التي تُعتبر حكوماتها دكتاتورية أو استبدادية أو شعبوية، أو في المناطق التي تمارس فيها السلطات ممارساتٍ تعسفيةٍ تجاه الأقليات أو النقاد والمعارضين، الأمر الذي شهد -وما يزال- تزايدًا مطردًا خلال الفترة الماضية.

 

الخليج العربي

في دول الشرق الأوسط أمثلة عديدة على الأثر السلبي المترتب على علاقة شركات التواصل الاجتماعي بعلاقات الحكومات مع مواطنيها.

على سبيل المثال، قبل يومٍ واحدٍ من افتتاح فرع لشركة "تويتر" في الخليج العربي، اعتُقل الأكاديمي والخبير الاقتصادي الإماراتي "ناصر بن غيث" في الإمارات العربية المتحدة بسبب تغريداته الناقدة للنظام في مصر، والتي تعد حليفًا للإمارات العربية المتحدة، لفشل السلطات المصرية في تحديد المسؤولين عن حادثة رابعة العدوية عام 2013 في القاهرة. اعتقل "بن غيث" في أبو ظبي وتم نقله بعدها إلى مكانٍ مجهول حيث حُرِمَ من حقه في التواصل مع عائلته ومحاميه، كما حُرِمَ من العلاج الطبي لحوالي ثمانية أشهر إلى أن عُقِدت أول جلسة استماع، وحُكِمَ عليه بالسجن لمدة عشر سنوات وما يزال حتى اليوم يقضي مدة محكوميته.

وفي عام 2018، واجه تويتر تهمًا بتوظيف جواسيس يعملون لصالح كلٍّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في مقرها في دبي. ويُعتَقد بأن هؤلاء الجواسيس كشفوا الصحفي المعارِض "عبد العزيز الجاسر" الذي غرّد باسمٍ مستعار منتقدًا حالة حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية وسياسات العائلة المالكة، ليتم اعتقاله وتعذيبه وقتله في وقتٍ لاحق.

وبالمثل، في نهاية أغسطس الماضي، حذّر حاكم دبي ونائب رئيس الدولة ورئيس مجلس وزراء الإمارات العربية المتحدة الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم" في "رسالة الموسم الجديد" ذات البنود الستة، حذر مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الإمارات من نشر "معلوماتٍ مضللة" حول دولته بهدف جذب المزيد من المتابعين، مؤكدًا أن هذا قد عرّض سمعة الإمارات للخطر في الخارج ومَسَّ بـ "إنجازاتٍ تعبت آلاف فرق العمل من أجل بنائها."

السعودية كذلك تعد دولةً محنكةً في مثل هذا المجال، حتى دون التعاون مع شركة تويتر. على سبيل المثال، أخبرت "منى السواح"، الباحثة في مشروع الدعاية الحاسوبية في جامعة أكسفورد، قناة الجزيرة أن تويتر بات يُستخدم ل "الحد من نشاط المعارضة، واستهداف كل من يواجه الحكومة... وأصبح وسيلةً تستخدم بالإكراه." وبالرغم من أن تلك الممارسات تحدث في معظم دول المنطقة، إلا القيود الخانقة التي تفرضها الحكومات على مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك موقع تويتر، تظهر جليةً بشكلٍ أكبر في المملكة العربية السعودية، والتي يجعلها مستخدموها الذين وصل عددهم إلى نحو 10 ملايين مستخدم أكبر سوقٍ في الشرق الأوسط.  

وتقول "جيليان يورك" مديرة حرية التعبير الدولية في مؤسسة الحد الإلكتروني: "إنه لمن المدهش حقًا أنه كلما أردت أن أقول أي شيء بخصوص المملكة العربية السعودية على منصة تويتر، أجد مئاتًا من الروبوتات تهاجمني في كل مرة."

هل ستقوم شركة تويتر بمواجهة كل هذا حتى لو لم تُجبر على ذلك؟ قال نائب رئيس تويتر في آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية والأسواق الناشئة " شاريش راو"، إن "الخليج العربي بما فيه الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، يشكل أحد أكبر المجموعات النشطة من مستخدمي تويتر، وستبقى من مراكز القيادة لحضورنا المتزايد"

لذلك، فإنه من المحتمل أن يبقى تويتر في صف حكومات تلك الدول ما لم تتم صياغة اتفاق يحمي حقوق الإنسان فيها، بما في ذلك حريات الرأي والتعبير والخصوصية.

 

إسرائيل

في إسرائيل، نجد أحدث الأمثلة الصارخة على تأثير الموقع الجغرافي للشركات متعددة الجنسيات على سياساتها تجاه المستخدمين، حيث يقع فيها ما يزيد على 300 شركة عالمية مثل جوجل، وفيسبوك، ومايكروسوفت، وانتل، والذين يفتتحون فيها منشآتٍ عدةٍ للبحث والتطوير. فقد نقلت شركة فيسبوك عملها لإسرائيل عام 2013. وبعد ثلاث سنوات، اجتمع فريقٌ من فيسبوك مع وزيرة القضاء " ايليت شاكيد" ووزير الأمن العام "جلعاد اردان"، والذي يقود محاربة حركة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية. ووفقًا لتصريحٍ صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وقتها، فقد كان هدف هذا اللقاء "التعاون لمواجهة التحريض على الإرهاب والقتل."

ومن جانبٍ آخر، أكدت مديرة سياسة فيسبوك في إسرائيل "جوردانا كتلر" في مقابلة لها أن الشركة تعمل "جنبًا إلى جنب مع الأقسام الإلكترونية في وزارة العدل والشرطة وغيرها من عناصر الجيش والشاباك." ومن الجدير بالذكر أن "كتلر" كانت مستشارة سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي "نتنياهو".

وفي مثالٍ آخر، فقد زارت كبيرة مسؤولي التشغيل في فيسبوك "شيريل ساندبرج" إسرائيل، والتقت بالرئيس "رؤوفين ريفلين" وأهدته نسخة موقعة من كتابها "الخيار البديل". وكتبت على صفحة فيسبوك الخاصة بها أنها تقدّرُه للغاية لأنه " دعم التنوع والشفقة في جميع أنحاء البلاد."

وفي عام 2017، ورد في تقرير لوزارة العدل الإسرائيلية أن الوحدة الإلكترونية التابعة للوزارة وثّقت 2,241 حالة من المحتويات غير اللائقة على الانترنت ونجحت في التخلص من 70 في المئة منها. (فيما كشف موقع الغارديان البريطاني عن وصول النسبة إلى 90 في المئة).

في المقابل، يشير النقّاد إلى أن التهديدات العنيفة وغيرها من الاعتداءات وخطابات الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي في إسرائيل قليلًا ما تحظى بأي تحقيق من قبل فيسبوك أو الحكومة الإسرائيلية. فقد سجّل "المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي" نحو 474,250 منشورًا عنصريًا أو تحريضيًا ضد العرب على شبكات التواصل الاجتماعي خلال عام 2018.

ووفقًا لـ "محمود حسان" المحامي في مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، فقد وثقت المؤسسة ما يزيد عن 300 فلسطيني اعتقلتهم السلطات الإسرائيلية عام 2017 بسبب منشوراتهم على موقع فيسبوك.

إلى جانب ذلك، فقد حظر موقع فيسبوك حسابات ثلاثة من القائمين على "صدى سوشال"، المركز الذي أنشأه ثلاثة صحفيون فلسطينيون لتوثيق "الانتهاكات ضد المحتوى الفلسطيني" والذي أسسه "إياد الرفاعي"، الذي يعمل محررًا لدى شبكة قدس الإخبارية. كما تم إيقاف قناة اليوتيوب الخاصة بالمركز بتهمة "انتهاك المبادئ التوجيهية للمجتمع المحلي."

وقال الرفاعي إنه يعتقد "أن كل مستخدم أو منصة فلسطينية اليوم تفكر مرتين قبل نشر أي محتوى على منصات التواصل الاجتماعي." بسبب معرفتهم السابقة بإمكانية حظرهم مباشرةً بعد التعبير عن رفضهم للسياسات الإسرائيلية أو الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل ضد المدنيين.

وليس من المدهش أن تكون الشركة التي تقدم خدمات التجسس على مواقع التواصل، مثل: واتساب التي تملكها فيسبوك، إسرائيليةٌ في الأصل. وعليه يتيح ذلك لمثل حكومة المملكة العربية السعودية التجسس على المعارضين.

في وقتٍ سابقٍ هذا العام، أعلنت منظمة العفو الدولية عن دعمها لفكرة محاكمة وزارة الدفاع الإسرائيلية لإجبارها على إلغاء ترخيص التصدير الخاص بمجموعة "إن إس أو" التي استُخدمت منتجاتها من قبل المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول في الهجوم على المدافعين عن حقوق الإنسان حول العالم.

هذا النوع من الدعاية، والتي وصلت أخيرًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، جلب بشكلٍ أو بآخر بعضًا من العدالة، فقد تم حظر "يائير" ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي، والبالغ من العمر 27 عامًا، من فيسبوك مؤخرًا على خلفية كتابته لسلسلة من المنشورات المعادية للمسلمين والفلسطينيين، والتي اعتبرت شبكة التواصل الاجتماعي أنها تخطت جميع حدود الكراهية. حيث أكد موقع فيسبوك حظره بعدما غرّد قائلًا إنها حظرته بعدما طالب بالثأر من "هؤلاء الوحوش" عقب إطلاق فلسطيني النار على جنديين إسرائيليين في محطة حافلات في الضفة الغربية. وفي منشوراته على منصة فيسبوك، طالب ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي بطرد جميع الفلسطينيين، مضيفًا أنه يرغب بمغادرة المسلمين كافة من إسرائيل.

 

ما الحل إذن؟

تطور السوق العالمي للدرجة التي تلزم الشركات العالمية بمراعاة حقوق الإنسان على قدم المساواة مع الأرباح، فقد أصبحت الحاجة ملحة لوضع حدٍّ لكافة أشكال الكره والعنف والقمع للمعارضة السليمة.

لذلك، تدعو إمباكت الدولية لسياسات حقوق الإنسان الشركات متعددة الجنسيات مثل: فيسبوك وتويتر للالتزام بمدونة لقواعد السلوك التي تثني عن الكره والعنف عند قمع حرية التعبير خصوصًا مع المعارضين. وبالمثل، على الحكومات أن تفعل ذلك، من خلال ضغط المواطنين والهيئات الدولية عليها من أجل احترام خصوصيات وحريات الأفراد والمواطنين في الرأي والتعبير.

ونظرًا إلى أن هذا سيأخذ وقتًا كبيرًا في التنفيذ والتحقيق، فإن إمباكت الدولية تدعو هذه الشركات لإنشاء مقراتها ومكاتبها الإقليمية في دولٍ تحترم معايير حقوق الإنسان، وأن تمارس أشكالًا من الضغط، مثل مقاطعة بعض الحكومات التي تفرض قيودًا على حريات الرأي والتعبير، وتلاحق النشطاء والمعارضين وترتكب انتهاكاتٍ تُمارسها بشكلٍ ممنهجٍ ضد مواطنيها.