تأثير القطاع الخاص في أوقات النزاعات والأزمات – سوريا واليمن كدراسة حالة

لندن – عادةً ما يلعب القطاع الخاص دورًا جوهريًا في أوقات النزاعات والحروب وما بعدها لإنعاش وتطوير الاقتصاد، الأمر الذي يُمكن بدرجةٍ كبيرةٍ أن يحقق السلام في نهاية المطاف. وبالرغم من أن تطوير القطاع الخاص يجب ألا يعتبر بديلًا عن الاقتصاد الوطني، إلا أنه من الضروري إعادة النظر في دور وتأثير القطاع الخاص في مناطق النزاع.

وقد أجريت العديد من الأبحاث حول دور القطاع الخاص في تعزيز وتطوير الاقتصاد العام والخاص، واتفق معظم الباحثين على أن خلق فرصٍ اقتصادية حيوية مهم للغاية في معالجة عواقب النزاع، وأن الانتعاش الاقتصادي يعتبر عاملًا هامًا قد يساهم في بناء دول خاصًة حيثما يُصنف الاقتصاد بالهش نتيجًة للنزاعات.

وبالرغم من أهمية دور القطاع الخاص في تطوير الاقتصاد الوطني أو المحلي، إلا أن هناك جدلًا  حول ما ينطوي تحت مفهوم القطاع الخاص وما يعتبر “الممارسة المثلى” لتطويره. قد يشمل القطاع الخاص الجهات المحلية الرسمية وغير الرسمية وغير القانونية، بالإضافة إلى الجاليات المغتربة والجماعات الاقتصادية الإقليمية والشركات متعددة الجنسيات.

غالبًا ما يشمل عمل القطاع الخاص في المناطق المنكوبة العديد من الصعوبات والتحديات، ولكن -في الوقت ذاته- فإن نشاطه في مثل هذه المناطق يعزز صموده، وبالتالي يكسبه زخمًا لإحداث التغيير المنشود.

ولاحظ “ماك سويني” أن القطاع الخاص يبقى مرنًا صامدًا أمام الصدمات الممنهجة، مغيّرًا شكله واتجاهه. وبفعل هذه المرونة، اعتبر “سويني” القطاع الخاص مركبًة قوية وسريعة التكيف لإعادة الإعمار والتجديد.

ولكي يعمل القطاع الخاص بشكٍل جيد لصالح الاقتصاد الوطني، يجب أن تتوافر مرافق وخدماتٍ لوجستية وإصلاحاتٍ قضائية معينة، وعليه يصبح من الممكن للاقتصاد الوطني أن ينتعش، بل يزدهر في نهاية المطاف. فوفقًا ل “تشانيل،” يجب أن تركز الإصلاحات طويلة الأمد على بناء بيئة مستقرة لعمل القطاع الخاص، وغالبًا ما تشمل تلك الإصلاحات ما هو أبعد من قوانين الاستثمار، وحقوق الملكية الواضحة، والسجلات العقارية، والضرائب الملائمة للأعمال التجارية، والمؤسسات والآليات المعنية بمكافحة الفساد، والشفافية، وإمكانية الوصول للبرامج المالية.

من الضروري أيضًا تعزيز إمكانية الحصول على الخدمات مثل الكهرباء، والماء، والإصلاحات القضائية خاصًة المتعلقة بالمحاكم التجارية ونزاعات الأراضي، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتنمية الريفية، والتجارة الإقليمية.

إلى جانب ذلك، يقول “تشانيل” أن الإصلاحات في بيئة العمل تساعد في تقليل التكاليف والمخاطر التي قد تعيق التطور الاقتصادي الذي يحقق الرفاهية في المجتمع.

 

إعادة النظر في دور القطاع الخاص في اليمن في ظل النزاع الجاري

دمر النزاع في اليمن اقتصاد الدولة، فقد عُلّقَت معظم النشاطات الاقتصادية وأصبح الاعتماد على المساعدات الأجنبية من السمات المميزة لمثل هذا الاقتصاد المتهالك. كما قد شُلَّت معظم القطاعات الاقتصادية، سواء الخاصة أو العامة منها. وحتى قبل النزاع المستمر في اليمن، واجه القطاع الخاص تحديات مستعصية أعاقت تطوره. وقد تضمنت هذه التحديات البيروقراطية، والقوى العاملة التي تفتقر المهارة، وضعف بيئة الاستثمار، ونقص التمويل، والاعتماد المفرط على النفط، والفساد، والضعف، وطبقة النخبة المتمسكة بالإيجارات.

أما اليوم، وبعد مرور خمسة أعوام من الحرب الأهلية والتدخل العسكري من قبل بلدان المنطقة، فقد تفاقم الوضع، وتعثّر الاقتصاد الوطني وتكبّد القطاع الخاص خساراٍت عدة.

وبالرغم من الوضع الاقتصادي المتردي، فقد بقي القطاع الخاص صامدًا وقادرًا على الاستمرار في العمل، مثبتًا ذلك من خلال التعامل مع أضخم المساعدات الإنسانية الخاصة بدولٍة تشهد أسوء الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.

ووفقًا للاستعراض العام للاحتياجات الإنسانية الذي أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع الأمم المتحدة في عام 2018، فإن 22.2 مليون شخص، أي ما يقارب 75% من السكان في حاجة بشكٍل ما للحماية أو المساعدات الإنسانية. ووفقًا للاستطلاع الذي أجراه البنك الدولي في عام 2018، فقد تم إغلاق 35% من المشاريع التجارية، حيث عزا 73% من أصحاب هذه المشاريع ذلك إلى النزاع القائم وقلة الأمن والقيود المالية التي جلبها النزاع. وأظهرت النتائج الأولية للاستطلاع الذي أجراه البنك الدولي في أكتوبر من عام 2018 أنه بينما تم إيقاف حوالي 35% من المشاريع التجارية، فقد شهدت أكثر من 51% من المشاريع التي نجت من الانهيار تقليصاتٍ في عملها وحجمها بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الطلب وقلة العملاء.

وبالرغم من التحديات والعقبات التي واجهها القطاع الخاص في اليمن، فإنه ما يزال يقدم وظائف وقنوات للمساعدات الإنسانية للمتضررين، ويحافظ على الدخل لدعم سبل كسب الرزق،

ومن نقاط القوة التي اكتسبها القطاع الخاص في اليمن خلال الأزمة إعادة تنظيمه وحرفيته العالية. وقد حدث تطور كبير في النظام المالي بفعل الإصلاحات التي تم إجراؤها للتعامل مع بعض المشاريع الصغيرة التي تستهدف الأفراد وبعض المؤسسات المحلية. أطلقت الحكومة برنامجًا اقتصاديًا حيث تحولت من الاعتماد على المعونات الحكومية إلى مشاريع البنية التحتية التي من شأنها أن تفيد عمل القطاع الخاص في حالة فوزها بالمناقصات أو الدعم اللوجستي لمشاريع أخرى.

 

تأثير القطاع الخاص السوري على الاقتصاد الوطني في أوقات النزاع

يُعد القطاع الخاص في سوريا أيضًا نموذجًا مهمًا في هذا السياق. مع اندلاع الثورة السورية وما تلاها من “حرب أهلية@ لحق هذا القطاع دمارًا متعدد الأشكال.

على سبيل المثال، كان القطاع الخاص السوري خصوصًا، ما يتعلق بالإنتاج والتجارة، منبعًا للبضائع لدول العالم العربي كافة. لكن، تغيرت هذه الحقيقة تبعًا لأحداث 2011 وما تلاها. فقد كانت مدينة حلب تعتبر “الصين الصغيرة” للوطن العربي بسبب كثرة مصانعها ووحدات الإنتاج في مختلف المجالات فيها، ولكن انقلبت هذه الحقائق بفعل ما لحق بمدينة حلب من دمار، مما دفع القطاع الخاص لإيجاد بديل بحيث يجد أصحاب المشاريع ورؤوس الأموال الأمان للاستمرار في الإنتاج. فقد انتقلت العديد من المصانع إلى تركيا، وأخرى إلى مصر ولبنان والعراق. وبالمثل حدث هذا في القطاع الخاص في مدٍن سوريٍة أخرى، حيث كانت التحديات غاية في الصعوبة، فتم إغلاق آلاف المصانع ووحدات الإنتاج في العاصمة والمدن الكبرى. وقد أسهم الوضع الأمني والحرب الأهلية في التهجير القسري لملايين السوريين بمن فيهم المَهَرة في كافة المجالات بدءًا من الصحة، والتعليم، والأعمال التجارية الخاصة، حتى المهن الصغيرة.

هذا الضرر الذي لحق بالقطاع الخاص تفاقم بفعل العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على المواد الخام المستخدمة للصناعات المختلفة. وقد شلّ انهيار العملة المحلية القطاع الخاص. وبشكلٍ عام، يمكن القول بأن القطاع الخاص قد انهار في سوريا وبقي منه جزءًا بسيطًا ساهم في التعامل مع التحديات المهولة التي واجهت الدولة.

ومن المفارقات أن تحولت هذه الكارثة إلى نعمة! فمنذ بداية الأحداث عام 2010، تأثر الاقتصاد السوري سلبًا بشكٍل كبير بسبب عجٍز في الميزانية والخسارة الفادحة التي تكبدها القطاع الخاص. وبالرغم من ذلك، كما هو الحال في اليمن، بدأ القطاع الخاص السوري يتكيّف مع ما يعرف بـ “اقتصاد الأزمة.”

وفقًا ل “أرسلينيان:” “انتقلت الأعمال التجارية من ريف دمشق الذي مزقته الحرب إلى العاصمة دمشق، ومن حلب إلى المنطقة الساحلية، بينما بدأت شركات جديدة تظهر في أماكن أكثر أمانًا مثل مدينتي السويداء وحماة.

وبالرغم من أن عددًا من الأعمال التجارية انتقل إلى تركيا ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة، إلا أن العديد منهم كذل عمل على خدمة السوق السوري من خلال خلق شبكات تجارية معقدة. بالإضافة إلى ذلك، قللت عدم قدرة الحكومة السورية على الحد من التضخم والإقراض الأجنبي من سيطرتها، وبالتالي أفسح الطريق للقطاع الخاص للمشاركة بشكل أوسع في الاقتصاد.

ومن المثير للدهشة أن المفارقات أخذت بالاستمرار لتصل إلى العقوبات التي فرضها الأوروبيون منذ عام 2011 والتي كانت تهدف إلى الضغط على الحكومة السورية، حيث خلقت هذه العقوبات نوعًا من التغيير في توجهات الأعمال التجارية. هذه العقوبات بدأت سلسلة من التغيرات داخل النظام ومجتمع الأعمال الأوسع مما ساهم في خلق شكلًا جديدًا من التقسيم طبقي والتشتت.” إن العقوبات التي فرضتها الحكومة السورية خلقت طبقة في المجتمع خاصة بالأوساط التجارية. وقد جمع بعض رجال الأعمال في القطاع الخاص، ممن هم موالون للنظام، ثروًة كبيرة زادتهم قوة ودمجتهم في نمط جديد من الاقتصاد الذي يعتبر خاص لكنه مواٍل وداعمًا للنظام.

بدأت مشاريع إعادة البناء تتبع آلية نيوليبرالية. بدايًة، أفيد بأنه منذ عام 2015، قامت الحكومة بمنح رخص لعدد من المستثمرين السوريين ذوي القدرة على الاتصال الجيد لجمع وبيع خردة المواد المعدنية في المدن والبلدات. وعلاوًة على ذلك، اتخذ القطاع الخاص دورًا قياديًا في خطط إعادة البناء، ففي تموز عام 2015، أصدرت الحكومة قانونًا يسمح بإنشاء الشركات القابضة في القطاع الخاص لإدارة المرافق والخدمات العامة لمجالس المدن ووحدات الإدارة المحلية الأخرى، فاتحًة بابًا اخر لأتباع النظام للقيام بأعمال تجارية من خلال الأصول العامة.”

 

بما أن المجال لا يكفي لمزيدًا من الأمثلة حول كيفية تمكين وتحفيز القطاع الخاص في كٍل من اليمن وسوريا خلال النزاع القائم، يكفي التأكيد على أن ما يُرى أنه بلاء، قد ينقلب إلى نعمة. في كلتا الدولتين المكتويتين بلهيب النزاعات والحروب الأهلية والتدخلات الأجنبية الخبيثة، نجح القطاع الخاص في التكيّف مع نمط اقتصادي جديد محكوم بمهنيٍة عالية ونمط مجدي للأعمال قد يؤثرا على الاقتصاد بمجرد انتهاء الحروب والنزاعات. نظرًا لأن القطاع الخاص في كٍل من اليمن وسوريا قد نجى برغم كل الصعوبات والتحديات ومن ثم ظهر ككيان صامد قادر على اتخاذ دورًا جوهريًا في عملية إعادة البناء وتحقيق السلام، فمن المحبّذ بشدة أن يشمل المتبرعون القطاع الخاص في العمل الإغاثي ومشاريع إعادة البناء. وعلاوًة على ذلك، على الحكومات في كلتا الدولتين ألا تعتبرا القطاع الخاص منافسًا وإنما داعمًا لعملية إعادة بناء الاقتصاد العام.

وعليه، يجب منح القطاع الخاص مزيدًا من المرافق والدعم للمساعدة في إنعاش الاقتصاد العام في كلتا الدولتين. وكذلك، على صندوق النقد الدولي دعم البرامج والمشارع التي يشارك فيها القطاع الخاص، بحيث يجب تخصيص التمويل والقروض للمشاريع التي تستهدف الأعمال والحاضنات الصغيرة. وفي هذا الصدد، إنه لمن الضروري أن ينظم صندوق النقد الدولي ورشات عمل ومؤتمرات لتعزيز أكبر لدور وتأثير القطاع الخاص في إعادة البناء وتحقيق السلام. ونهايًة، إنه لمن الضروري أيضًا أن يجد القطاع الخاص في كٍل من سوريا واليمن مرجعًا مستقلًا يتابع باستمرار نشاطاته ويقود عمله. في هذا الصدد، يجب أن تلعب الغرف التجارية دورًا مهمًا في تنظيم وتوحيد جهود القطاع الخاص في إعادة بناء الاقتصاد العام.